من باكو إلى باريس.. ماذا حققت سورية وماذا كسبت إسرائيل؟

شهدت باريس انعقاد الجولة الخامسة من المحادثات السورية – الإسرائيلية، في مسار تفاوضي تبلور تدريجيًا منذ انطلاقه الأول في العاصمة الأذربيجانية باكو، قبل أن يكتسب زخمًا إضافيًا مع الرعاية الأمريكية المباشرة.
وجاء هذا التطور في أعقاب زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني الماضي، ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما أضفى على المفاوضات بعدًا سياسيًا يتجاوز توصيفها الرسمي كمحادثات أمنية محدودة.
ورغم تقديم هذه اللقاءات بوصفها محصورة في الجوانب الأمنية، إلا أن مضامينها الفعلية تنطوي على أبعاد أعمق، تتصل بإعادة ضبط قواعد الاشتباك على الحدود، وفتح قنوات تنسيق جديدة قد تشكل أساسًا لتطبيع تدريجي في المدى البعيد.
تحولات ما بعد 8 كانون الأول 2024
أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى إحداث تغيير جذري في المشهد السوري، إذ دخلت البلاد مرحلة انتقالية اتسمت بإعادة ترتيب موازين القوى داخليًا، وبمحاولات إقليمية ودولية لإعادة إدماج سورية ضمن النظام الإقليمي بشروط جديدة.
هذا التحول مثّل بالنسبة لإسرائيل فرصة استراتيجية من جهة، ومصدر قلق أمني من جهة أخرى.
فرص تل أبيب تمثلت في احتمال بروز سلطة سورية أكثر براغماتية، وأقل ارتباطًا بإيران، وأكثر استعدادًا للانخراط في تفاهمات أمنية تقلص المخاطر على الجبهة الشمالية.
في المقابل، برزت مخاوف إسرائيلية مرتبطة بخلفية بعض مكونات السلطة الانتقالية ذات التوجه الإسلامي، واحتمال ظهور جماعات غير منضبطة أو معادية قرب الحدود الجنوبية السورية، بما يهدد أمن الجولان المحتل.
أما دمشق، فقد وجدت نفسها أمام تركة ثقيلة من الصراع، يتقدمها ملف الجولان، إلى جانب توسيع إسرائيل انتشارها العسكري في مناطق إضافية، واستمرار الغارات الجوية داخل الأراضي السورية بعد التغيير السياسي.
من هنا، باتت القيادة الانتقالية تنظر إلى أي مسار تفاوضي كأداة لوقف الاعتداءات، أو على الأقل لتثبيت حضور الدولة السورية وسيادتها في المحافل الدولية.
من باكو إلى باريس
بدأت المحادثات في باكو عبر قنوات غير مباشرة، وتركزت على خفض الاحتكاك وترتيبات أمنية أولية.
ومع انتقالها إلى باريس في جولات مباشرة لاحقة، حملت الجولة الخامسة آمالًا بإحداث اختراق حقيقي، في ظل وساطة أمريكية مباشرة ومشاركة فاعلة من مبعوثي إدارة ترامب.
ووفق تسريبات وبيانات إسرائيلية رسمية، وُصفت جولة باريس بأنها إيجابية من حيث بناء آليات تنسيق عملية، رغم عدم التوصل إلى اتفاقات نهائية بشأن القضايا الجوهرية.
مكاسب إسرائيل
تشير المعطيات المنشورة في الصحافة العبرية إلى أن إسرائيل حققت عدة مكاسب أساسية، أبرزها تثبيت خطوطها الحمراء الاستراتيجية، وعلى رأسها رفض الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول 2024، ولا سيما موقع جبل الشيخ ذي الأهمية الاستراتيجية. ورغم استعدادها لمناقشة انسحاب محدود من نقاط إضافية، فإنها رفضت أي انسحاب شامل أو ربط التفاهمات الأمنية بإعادة الأراضي المحتلة.
كما نجحت تل أبيب في إدراج مطالب أمنية تتعلق بنزع السلاح من مناطق حساسة في جنوب غربي سورية وإنشاء آليات رقابة تحول دون تمركز قوات معادية قرب الحدود.
إضافة إلى ذلك، وسّعت إسرائيل إطار الحوار عبر آلية تنسيق دون التزامات سياسية شاملة تجاه السلطة السورية الجديدة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، طُرحت أفكار أمريكية حول مشاريع موازية، من بينها بيع الغاز الإسرائيلي لسوريا، وإنشاء منطقة اقتصادية مشتركة منزوعة السلاح، وهو ما يمنح إسرائيل نفوذًا اقتصاديًا في بلد يعاني من إنهاك اقتصادي بعد حرب استمرت 14 عامًا.
مكاسب سورية
رغم اختلال موازين القوى، تمكنت دمشق من تحقيق جملة من المكاسب، مستفيدة من الضغط الأمريكي على تل أبيب.
أبرز هذه المكاسب كسر العزلة السياسية والحصول على اعتراف إسرائيلي غير مباشر بالسلطة الانتقالية، بعد مرحلة من الشك والرفض.
كما أن الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق ثلاثية بين سورية وإسرائيل والولايات المتحدة يشكل مدخلًا عمليًا لتقليل الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية، سواء الجوية أو البرية.
وأشار البيان المشترك الصادر في ختام اجتماعات باريس إلى أن المحادثات ركزت على احترام سيادة سورية واستقرارها، وإنشاء آلية تهدف إلى خفض التصعيد ومعالجة النزاعات بسرعة.
وتمنح هذه الآلية دمشق أداة رسمية للحد من الاحتكاكات، وقد تسهم في تقليص الغارات المتكررة، خصوصًا في محافظتي القنيطرة ودرعا.
كما كشف مسؤول سوري، في تصريح لوكالة “رويترز”، أن واشنطن طرحت مقترحًا لوقف كامل للأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سورية، واصفًا ذلك بـ”الفرصة التاريخية”، حتى وإن لم يُنفذ بعد.
حدود التقدم
رغم هذه التطورات، لا تزال الخلافات قائمة، خاصة بشأن الانسحاب الإسرائيلي إلى ما قبل خطوط 8 كانون الأول 2024، وقضية السيادة على الجولان وجبل الشيخ، فضلًا عن غياب جدول زمني ملزم لأي ترتيبات نهائية.
كما غابت ملفات حساسة عن البيان المشترك، من بينها ملف السويداء، في ظل تأكيدات إسرائيلية متكررة حول حماية الدروز ومنع دخول قوات دمشق إلى المحافظة.
ويرى مراقبون أن سجل إسرائيل في الالتزام بتعهداتها الإقليمية يثير الشكوك حول مآلات هذه التفاهمات، ما يجعل النتائج مرهونة بمدى التنفيذ الفعلي، وبقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الخلاف إلى اتخاذ قرارات ملزمة.
في المحصلة، تعكس الجولة الخامسة من محادثات باريس مرحلة جديدة من العلاقة السورية–الإسرائيلية، قوامها إدارة التوتر وتقليص المخاطر عبر التنسيق، دون الوصول بعد إلى تسوية شاملة.
هاشتاغ



