يختفي خلف الظهر ويشكّل الجسد ومستقبله.. “الجَنَف” : انحناءة تغير الحياة

يُعد الجنف، المعروف طبياً باسم Scoliosis، من اضطرابات العمود الفقري التي قد تظهر في مختلف المراحل العمرية، إلا أن انتشاره يكون أعلى خلال مرحلة الطفولة المتأخرة وقبل البلوغ.
وتتمثل حالته في انحراف جانبي غير طبيعي للفقرات، يؤدي مع الوقت وتحت تأثير وزن الجسم إلى تشكّل تقوسات قد تأخذ شكل حرف S أو C.
وقد لوحظ أن الجنف لا يقتصر على الإنسان فقط، بل يمكن أن يظهر لدى كائنات أخرى، كما أن حدّة الأعراض تختلف تبعاً لموضع الانحناء ودرجته وسرعة تطوره.
ورغم التقدم الطبي، لا تزال أسباب الجنف غير معروفة في معظم الحالات، إذ قد يولد بعض الأطفال وهم مصابون به، أو يظهر لديهم لاحقاً بين سن 10 و16 عاماً. وتشير الإحصاءات العالمية إلى أن الجنف يصيب ملايين الأشخاص، خصوصاً في سن المراهقة، بنسبة تتراوح عالمياً بين 2% و3% من السكان، بينما تسجل بعض الدول العربية نسباً قريبة من المعدل العالمي بين المراهقين.
أغلب الحالات بلا سبب واضح
تفيد الجمعية الأمريكية لجراحي الأعصاب بأن نحو 80% من حالات الجنف تُصنف ضمن ما يُعرف بـ«الجنف مجهول السبب»، وهو النوع الأكثر شيوعاً، لا سيما لدى الفئة العمرية بين 10 و15 عاماً. كما تؤكد منظمات صحية دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية، أن الجنف يُعد من أكثر تشوهات العمود الفقري انتشاراً بين الأطفال والمراهقين.
وعلى الرغم من غياب إحصاءات دقيقة موحدة في العالم العربي، إلا أن بعض الدراسات المحلية أشارت إلى نسب قريبة من المعدلات العالمية.
وفي هذا السياق، تولي الجهات الصحية في المملكة العربية السعودية اهتماماً متزايداً بالكشف المبكر عن الجنف، من خلال برامج الفحص المدرسي وحملات التوعية الصحية، إدراكاً لأهمية التدخل المبكر في الحد من تفاقم الانحناء ومضاعفاته.
كما تشارك المملكة دول العالم في إحياء اليوم العالمي للتوعية بالجنف في 25 يونيو من كل عام، باعتباره قضية صحية واجتماعية تستدعي الوعي المجتمعي.
انحراف قد يتطور بصمت
يوضح استشاري جراحة العمود الفقري أن الجنف يُعد من أبرز الأسباب المؤدية لتشوهات العمود الفقري لدى الأطفال والمراهقين، وغالباً ما يبدأ دون أعراض واضحة في مراحله الأولى.
وتشير البيانات العالمية إلى أن ما بين 2% و3% من المراهقين يعانون من هذه الحالة، أي ما يعادل حالة واحدة تقريباً بين كل 25 إلى 50 طفلاً في الفئة العمرية من 10 إلى 18 عاماً.
ويحتاج المصابون إلى متابعة دقيقة خلال سنوات النمو، إذ قد يتطور الانحناء بسرعة، وقد يستدعي تدخلاً علاجياً مبكراً لتحسين التوازن الجسدي ووظائف التنفس.
ويُعد الجنف المجهول السبب الأكثر شيوعاً، حيث يمثل ما بين 80% و85% من الحالات، ويظهر غالباً خلال فترة البلوغ، مع تسجيل معدلات أعلى بين الفتيات، اللواتي تُظهر بعض الدراسات أنهن أكثر عرضة لتفاقم الانحناءات الشديدة مقارنة بالذكور.
نسب الانتشار وخيارات العلاج
تشير الدراسات المحلية في السعودية إلى أن معدل انتشار الجنف يتراوح بين 0.16% و0.5% من السكان.
وتعتمد الخطة العلاجية على عدة عوامل، أبرزها درجة الانحناء المقاسة بالأشعة (زاوية كوب)، وعمر المريض، ومرحلة النمو. ففي الحالات التي تقل فيها زاوية الانحناء عن 25 درجة، تُكتفى عادةً بالمراقبة الدورية، بينما يُوصى باستخدام الدعامات الطبية عندما تتراوح الزاوية بين 25 و40 درجة.
أما إذا تجاوز الانحناء 40 درجة، فيُعد التدخل الجراحي خياراً ضرورياً لتصحيح التشوه والوقاية من المضاعفات.
وتكمن خطورة الجنف الشديد لدى الأطفال والمراهقين في تأثيره على القفص الصدري، ما قد يضغط على الرئتين ويؤثر في نموهما الطبيعي، إضافة إلى تأثيره المحتمل على وظيفة القلب، وهو ما قد ينعكس على القدرة البدنية والنشاط اليومي.
أهمية التشخيص المبكر
شهدت جراحات تصحيح الجنف تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة بفضل التقنيات الحديثة، التي أسهمت في تحسين محاذاة الفقرات واستعادة التوازن الوظيفي للعمود الفقري، إلى جانب تحسين المظهر الخارجي.
ومع التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة، يمكن لغالبية المرضى العودة إلى ممارسة حياتهم اليومية والأنشطة الرياضية غير العنيفة بأمان، مع تحسن ملحوظ في جودة الحياة والثقة بالنفس.
أنواع أخرى من الجنف
يشير مختصون في جراحة العظام إلى أن بعض حالات الجنف قد تكون خلقية نتيجة خلل في تكوّن الفقرات أثناء الحمل، وتظهر أعراضها في سن مبكرة. ويختلف التعامل العلاجي مع هذه الحالات حسب نوع التشوه ودرجة النمو، خصوصاً لدى الأطفال دون سن العاشرة، حيث تكون معدلات النمو مرتفعة، ما يستدعي متابعة دقيقة لتجنب التأثير السلبي على نمو الرئتين.
تأثيره على العضلات والجهاز العصبي
في الحالات المتقدمة، قد يؤدي الجنف إلى ضعف في العضلات، وعدم استواء الجسم، وآلام مزمنة في الظهر، وقد يصل الأمر إلى الضغط على الأعصاب أو الحبل الشوكي، مسبباً تنميلاً أو آلاماً في الأطراف السفلية.
لذلك يُنصح بالحفاظ على قوة العضلات، وممارسة الرياضة المناسبة، وتجنب زيادة الوزن أو الإجهاد الزائد للعمود الفقري.
دور العلاج الطبيعي
يؤدي العلاج الطبيعي دوراً محورياً في التعامل مع الجنف، لا سيما في الحالات الخفيفة والمتوسطة، إذ يهدف إلى تحسين توازن الجسم، وتقوية العضلات الداعمة، والحد من تطور الانحناء، وتخفيف الألم.
وتشمل البرامج العلاجية تمارين تصحيحية، وتدريباً وضعياً، وتمارين تنفس، ويتم تطبيقها قبل الجراحة وبعدها لتعزيز النتائج الوظيفية وتسريع التعافي.
وفي كثير من الحالات، قد يسهم الالتزام بالعلاج الطبيعي المبكر في تأخير أو تجنب التدخل الجراحي، خاصة عند اتباع خطة علاجية طويلة المدى ومتابعة دورية.
منهج شروث العلاجي
تُعد طريقة شروث (Schroth Method) من المناهج العلاجية المتخصصة في علاج الجنف، وتعتمد على تمارين ثلاثية الأبعاد للعمود الفقري، وتقنيات تنفس موجهة، وتصحيح الوضعية أثناء الأنشطة اليومية.
وقد أثبتت الدراسات فعاليتها في تقليل تطور الانحناء وتحسين الوظيفة والمظهر، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين، مع إمكانية تطبيقها أيضاً على البالغين.
وفي المحصلة، يؤكد المختصون أن التعامل المبكر والمنهجي مع الجنف، إلى جانب التطور الكبير في وسائل العلاج التحفظي والجراحي، يتيح للمصابين فرصة حقيقية لحياة صحية ونشطة، مع تحسن طويل الأمد في الأداء الوظيفي وجودة الحياة.
عكاظ



