الاخبار

سرقات في قلب دمشق.. حين تتحول حماية الآثار إلى غطاء لنهبها

شهدت العاصمة دمشق خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز أسبوعين، ثلاث حوادث سرقة طالت مواقع ذات أهمية ثقافية وتاريخية عالية، من بينها المتحف الوطني، مركز الوثائق التاريخية ضمن مجمع المباني الحكومية، وتمثال ديني–فني بارز عند مدخل باب كيسان.

ورغم اختلاف طبيعة المسروقات، إلا أن المشترك بين هذه الوقائع تمثل في ضعف الحماية، وتضارب التصريحات الرسمية، وظهور أسماء إدارية نافذة في صلب القضايا، ما أثار تساؤلات واسعة حول قدرة المؤسسات المعنية – أو جديتها – في حماية الإرث الثقافي السوري.

المتحف الوطني: من احتفاء رسمي إلى شبهات داخلية

وزارة الثقافة أعلنت في بيان رسمي تفكيك شبكة متورطة بسرقة آثار من المتحف الوطني، مؤكدة توقيف شخص وُصف بأنه الرأس المدبر للعملية.

غير أن المفاجأة تمثلت في أن المتهم شخصية إدارية تعمل داخل المديرية العامة للآثار والمتاحف، ولا يمتلك أي خلفية علمية في مجال الآثار.

وبحسب معلومات متقاطعة، فقد شغل المتهم منصب مدير العلاقات العامة، وكان مقرباً من إدارة المديرية، وشارك في وفود رسمية خارج البلاد، من بينها مؤتمر دولي حول إعادة تأهيل مدينة تدمر، رغم غياب أي صفة تخصصية تخوله ذلك.

الأخطر أن التحقيقات توسعت لتشمل اختفاء أسلحة أثرية مسجلة رسمياً كانت محفوظة في مستودعات المديرية، ما نقل القضية من مجرد إهمال إداري إلى استغلال مباشر للمنصب الوظيفي.

تناقض التصريحات يفاقم الشبهات

المثير للجدل أن الشخص ذاته كان قد نفى علناً وقوع أي سرقة من المتحف عند انتشار الخبر في بدايته، قبل أن يتحول لاحقاً إلى متهم رئيسي في القضية.

هذا التناقض فتح باب التساؤل حول آليات التعيين والرقابة والمحاسبة داخل المؤسسات الثقافية.

مركز الوثائق: سرقتان خلال 48 ساعة

بالتوازي مع قضية المتحف، تعرض مركز الوثائق التاريخية داخل مديرية المباني الحكومية لسرقة طالت تجهيزات وبنى تحتية.

اللافت أن الموقع نفسه شهد عملية سرقة ثانية في اليوم التالي، رغم زيارات رسمية للمكان، ما ألقى بظلال من الشك حول فعالية الإجراءات المتخذة.

مصادر متابعة أكدت أن السرقة الثانية شملت معدات كهربائية وأنظمة تدفئة وتكييف، في مشهد يعكس فوضى أمنية داخل منشأة رسمية يُفترض أنها محمية.

تمثال القديس بولس: صدمة رمزية

أما الحادثة الثالثة، فتمثلت في سرقة تمثال “اهتداء القديس بولس” المصنوع من البرونز، عند مدخل دير مار بولس في باب كيسان.

التمثال، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 3.5 أمتار، من أعمال النحات الإيطالي الشهير ماريو توفيتي، ودُشّن رسمياً عام 1999.

العملية لم تقتصر على السرقة، بل ترافقت مع تشويه متعمد للتمثال أثناء اقتلاعه. ورغم توصيف الحادثة رسمياً بأنها بدافع الطمع بقيمة البرونز، إلا أنها أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المسيحية، باعتبارها اعتداءً على رمز ديني وتاريخي في قلب دمشق القديمة.

إهمال أم تواطؤ؟

مصادر خاصة رأت أن المشكلة تتجاوز ضعف الإمكانات الأمنية، لتصل إلى منظومة تعيين قائمة على الولاء لا الكفاءة، وضعت أشخاصاً غير مؤهلين في مواقع مسؤولة عن حماية الذاكرة الوطنية.

وذهبت بعض التقديرات إلى أن عناصر من داخل المؤسسات قد تكون متورطة بشكل مباشر في عمليات النهب.

في بلد خسر جزءاً كبيراً من تراثه خلال سنوات الحرب، تبدو هذه السرقات إنذاراً جديداً بأن الخطر لم يعد خارجياً فقط، بل ينبع أحياناً من داخل المؤسسات نفسها.

هاشتاغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى