الاخبار

لماذا يرغب ترامب في غزو فنزويلا؟

في الثاني من سبتمبر/أيلول 2025، خرجت سفينة صيد صغيرة في رحلة روتينية فوق مياه الكاريبي، لكن الدقائق التالية كانت كافية لتحويل رحلتها إلى مأساة. فمن دون أي إنذار، أطلقت مدمرة أميركية صاروخًا دمّر القارب بالكامل، لتناثر الحطام وصرخات الطاقم فوق الأمواج. وبعد ساعات، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الضربة جزء من “عملية ناجحة” في إطار حربه الجديدة على المخدرات. في المقابل، ردّ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باتهام واشنطن باختلاق رواية التهريب لتبرير استهداف بلاده، وبدأ في حشد الداخل استعدادًا لـ”خطر الحرب”.

تلك الضربة لم تكن سوى البداية. فمنذ اليوم نفسه، شنت القوات الأميركية هجمات مشابهة على ما لا يقل عن 20 سفينة في مياه الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، وأسفرت العمليات عن مقتل ما يزيد على 80 شخصًا. ومع اقتراب حاملة الطائرات “جيرالد فورد” من السواحل الفنزويلية، برفقة آلاف الجنود وتسعة أسراب جوية وأكثر من 12 سفينة حربية، بدأ الحديث يتجاوز قضية المخدرات، ليصل إلى احتمال عمل عسكري كبير ضد فنزويلا.

ويقود هذا التصعيد إلى سؤال جوهري: هل تستعد إدارة ترامب حقًا لقلب نظام مادورو بالقوة؟

25 عامًا من العداء: جذور الصراع بين واشنطن وكاراكاس

لا يمكن قراءة المشهد الحالي دون العودة إلى عام 1999 حين صعد هوغو تشافيز إلى السلطة، حاملاً مشروعًا مناهضًا للإمبريالية ومؤيدًا لإعادة توزيع الثروات النفطية. هذا النهج وضعه مباشرة في مواجهة مع واشنطن.

تأميم النفط 2007: أجبرت فنزويلا شركات نفط عالمية على التنازل عن حصصها لصالح الدولة. شركات مثل شيفرون وبي بي قبلت، بينما غادرت إكسون وكونوكو فيليبس بعد مصادرة أصولهما.

الانقلاب الفاشل عام 2002: دعم واشنطن الضمني لمحاولة الإطاحة بتشافيز رسّخ الانقسام.

تحالفات مع الصين وروسيا وإيران: تحوّلت فنزويلا لاحقًا إلى مركز قوة مضادة للنفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي.

ومع تولي مادورو الحكم عام 2013، انهار الاقتصاد الفنزويلي بشكل غير مسبوق، وانهارت العملة، وارتفعت معدلات التضخم، وتدهورت البنية الصحية والتعليمية، فيما اضطر أكثر من 7 ملايين مواطن للنزوح.

واشنطن من جانبها وجّهت أقسى عقوباتها:

عقوبات 2019: تجميد أصول شركة النفط الوطنية PDVSA ومنع تعامل الشركات الأميركية معها، ما حرم الحكومة من مليارات الدولارات.

عودة العقوبات في 2024–2025 بعد تراجع وعود الإصلاح الانتخابي.

المخدرات: الحقيقة أم الذريعة؟

قدّمت واشنطن تبريرًا لوجودها العسكري الواسع بأنه لمكافحة “إرهاب المخدرات”. ورغم أن وزارة العدل صنّفت مادورو ومسؤولين كبارًا ضمن شبكات تهريب الكوكايين، فإن الأرقام والوقائع تكشف تناقضًا واضحًا:

74% من الكوكايين يدخل أميركا عبر المحيط الهادئ لا الكاريبي.

84% من الكوكايين المصادَر في الولايات المتحدة مصدره كولومبيا.

لا تُعدّ فنزويلا منتجًا أساسيًا للمخدرات بل ممرًا محدودًا.

حتى تقارير الاستخبارات الأميركية نفسها شككت في صحة هذه الروايات، لكنها بقيت ذريعة سياسية مفيدة لترامب لتبرير التصعيد.

حشد عسكري هو الأكبر منذ غزو بنما

تعرف العملية الأميركية باسم “الرمح الجنوبي”، وتعد أضخم انتشار للقوات الأميركية في المنطقة منذ عام 1989.

أبرز ما جرى نشره:

حاملة الطائرات جيرالد فورد ومجموعتها الجوية (F-18، F-35، E-2).

أكثر من 12 ألف جندي من قوات المارينز والبحرية.

مدمرات متقدمة وصواريخ موجّهة.

غواصة هجومية نووية.

ثلاث قاذفات B-52 وقاذفتان B-1B تحلّقان قرب السواحل الفنزويلية.

طائرات MQ-9 Reaper في بورتو ريكو.

تدريب قوات العمليات الخاصة على بعد 90 ميلًا من فنزويلا.

ترافقت هذه التحركات مع تصريح خطير لترامب بأنه سمح لوكالة الـCIA بتنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا.

ردّ فنزويلي غير مسبوق وتحالفات عسكرية جديدة

وصفت كاراكاس الأحداث بأنها “حرب غير معلنة”. وردّت بـ:

تعبئة عشرات الآلاف من الجنود.

إطلاق مناورات “خطة الاستقلال 200”.

تعزيز الميليشيا الوطنية التي يقول مادورو إنها تضم 4.5 ملايين عضو.

طلب رادارات روسية، مقاتلات، صواريخ صينية، وطائرات مسيّرة إيرانية.

روسيا والصين وإيران أعلنت دعمًا سياسيًا صريحًا لكاراكاس، وحذّر مندوب بكين من “تهديد خطير للسلام الدولي”.

هل تقترب الحرب؟ ولماذا قد تكون كارثية؟

يحذر الخبراء من أن غزو فنزويلا –إن حدث– سيكون أعقد بكثير من غزو بنما:

فنزويلا أكبر مساحة بثلاثين مرة.

جيشها يزيد على 100 ألف جندي مدعومين بمليشيات ضخمة.

تضاريسها متنوعة ووعرة.

دعم روسي وصيني محتمل بالعتاد أو المعلومات.

ويقول المؤرخ الأميركي آلان ماكفرسون إن غزو فنزويلا يمكن أن يتحول إلى “عراق جديد” بالنسبة لواشنطن، بحرب مكلفة وطويلة بلا نصر واضح.

خاتمة: لعبة خطرة على حافة الانفجار

تراهن واشنطن كما يبدو على الضغط العسكري والاقتصادي لإسقاط النظام دون خوض غزو شامل، لكن هذا السيناريو محفوف بالمخاطر. فشرارة واحدة غير محسوبة قد تشعل حربًا واسعة:

ستدمّر فنزويلا بلا شك.

ولن تخرج الولايات المتحدة منها بلا تكلفة باهظة.

الهجوم الصاروخي على سفينة صيد صغيرة لم يكن مجرد حادث معزول، بل كان بداية سلسلة أحداث قد تغيّر مستقبل الكاريبي وأميركا اللاتينية بالكامل.

المنطقة اليوم تقف على حافة صراع قد يعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة… لكن هذه المرة على شواطئ الكاريبي.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى