الأمن الغذائي السوري على المحك : هل يواجه المواطنون الجوع مجددًا؟

تشهد أسعار المنتجات الزراعية السورية ارتفاعًا مستمرًا، لتعود إلى مستويات قياسية سبق وأن شهدتها البلاد قبل الحرب، ما يثير مخاوف خبراء الزراعة والاقتصاد حول هشاشة منظومة الأمن الغذائي السوري.
ويشير المراقبون إلى أن السياسات الاقتصادية الجديدة ركزت بشكل أكبر على ترميم الاقتصاد الريعي، بينما تراجعت الأولويات المخصصة للزراعة، القطاع الحيوي الذي يُعد العمود الفقري للإنتاج المحلي.
تراجع الزراعة السورية: أخطاء تراكمية وسياسات خاطئة
كان من المتوقع أن تحظى الزراعة بمكانة استراتيجية في خطط الإدارة الجديدة لضمان الأمن الغذائي، لكن تراكم السياسات الخاطئة على مدى عقود أدى إلى تراجع مساهمة هذا القطاع الحيوي.
فقد انخفضت نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 35% في 2005 إلى أقل من 17% بعد 2011، وسط زيادة الاعتماد على المنتجات المستوردة، حتى بات القمح والبصل يُوزّع أحيانًا عبر البطاقة الذكية.
ويشير خبراء إلى أن تحرير أسعار المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والمبيدات والوقود، إضافة إلى موجات الجفاف، ساهم في تقليص المساحات المزروعة بشكل كبير، ما زاد من ضعف الإنتاج المحلي وأثر سلبًا على الأمن الغذائي.
الفساد والتهريب: عائق إضافي أمام الإنتاج الزراعي
يشكل الفساد منظومة كبيرة في قطاع الزراعة، بدءًا من توزيع مدخلات الري والدعم الحكومي وصولاً إلى التلاعب بالمخصصات.
ففي محافظات مثل حماه، ثبت أن العديد من مستحقات الدعم تُحوَّل أو تُستغل من قبل لجان محلية، مما يفاقم أزمة الإنتاج ويزيد من اعتماد المزارعين على السوق السوداء.
إعادة إنعاش الزراعة: حلول استراتيجية مستدامة
يرى الخبراء أن استعادة دور الزراعة في الاقتصاد السوري تحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات وتركيز الجهود على مدخلات الإنتاج ومخرجاته:
تعزيز مدخلات الإنتاج: تبني الزراعة التعاقدية لضمان الاستقرار، اعتماد التقنيات الحديثة، تحسين الري، اختيار أصناف مقاومة للتغيرات المناخية، وزيادة إنتاجية وحدة المساحة.
دعم المخرجات: تحويل الدعم من المدخلات إلى المنتجات الاستراتيجية والتصديرية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، والحد من الفساد، وتعظيم القيمة المضافة.
الاستثمار في الصناعات الزراعية التصديرية: ضمان تكامل سلسلة القيمة المضافة عبر تصنيع المنتجات النباتية والحيوانية، خدمات التعبئة والتغليف، التبريد، والتسويق الدولي مع اعتماد مفهوم “العلامة التجارية الجغرافية”.
الزراعة السورية: مفتاح التعافي الاقتصادي
يؤكد الخبراء أن سورية تمتلك مقومات زراعية وتنوعًا مناخيًا يجعلها قادرة على إنتاج فائض يكفي عدة دول، شريطة إدارة حاذقة واستثمار أمثل.
وعند ترتيب الزراعة كأولوية تنموية استراتيجية، يمكن تحقيق الأمن الغذائي الكامل، وضمان أن لا يواجه أي سوري خطر الجوع مجددًا.
الاقتصاد اليوم



