هل يعيد الذهب تاريخه السعري؟ قراءة في دوراته الاقتصادية عبر العقود

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مخلص الناظر أن حركة الذهب عبر العقود الماضية لم تكن عشوائية، بل خضعت لنمط دوري واضح يتكرر على المدى الطويل، وهو ما توضحه خرائط زمنية توثق مسار المعدن الأصفر منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
وبالعودة إلى هذه البيانات التاريخية، يمكن ملاحظة أن الذهب يسير ضمن موجات صعود قوية تمتد عادةً ما بين 8 إلى 10 سنوات، تعقبها فترات تصحيح أو ركود تتفاوت أطوالها بين بضع سنوات وقد تصل في بعض الأحيان إلى عقدين كاملين.
سبعينيات القرن الماضي: بداية التحولات النقدية الكبرى
في الفترة الممتدة بين عامي 1970 و1980، شهد الذهب أول موجة صعود كبيرة في العصر الحديث، جاءت نتيجة تحولات جوهرية في النظام المالي العالمي، أبرزها التخلي عن ربط الدولار بالذهب، وارتفاع نسب التضخم، وتراجع الثقة بالسياسات النقدية التقليدية.
وقد توّجت هذه المرحلة ببلوغ الأسعار مستويات غير مسبوقة مع مطلع الثمانينيات.
عقدان من التراجع: أطول مرحلة تصحيح في تاريخ الذهب
مع بداية الثمانينيات وحتى مطلع الألفية الجديدة، دخل الذهب في مرحلة هبوط طويلة استمرت قرابة عشرين عاماً، وهي الأطول في تاريخه الحديث.
وتزامن ذلك مع قوة الدولار الأمريكي، واستقرار معدلات التضخم، وازدهار أسواق الأسهم، إلى جانب تغييرات واسعة في البنية المالية العالمية.
واعتُبرت هذه الفترة بمثابة إعادة ضبط طبيعية للأسواق بعد الطفرة السابقة.
الألفية الجديدة: صعود تقوده الأزمات
في مطلع القرن الحادي والعشرين، عاد الذهب إلى الواجهة بقوة ليقود موجة ارتفاع جديدة استمرت حتى عام 2011. وقد غذّت هذه المرحلة عدة عوامل متداخلة، منها انفجار فقاعة شركات التكنولوجيا، والأزمة المالية العالمية، والسياسات التوسعية غير المسبوقة التي انتهجتها البنوك المركزية حول العالم.
تراجع قصير ثم صعود متجدد
بين عامي 2011 و2015، شهد السوق فترة تصحيح قصيرة نسبياً مع تعافي الدولار الأمريكي وتبني سياسات نقدية أكثر تشددًا في الولايات المتحدة.
لكن منذ عام 2015 وحتى اليوم، دخل الذهب مرحلة صعود جديدة امتدت قرابة عقد من الزمن.
وتعود أسباب هذا الصعود إلى ارتفاع التضخم عالمياً، واتساع عمليات طباعة النقد عقب جائحة كورونا، فضلًا عن تصاعد التوترات الجيوسياسية، وعودة البنوك المركزية لشراء الذهب بمعدلات قياسية لم تُسجل منذ عشرات السنين.
هل نحن أمام نهاية دورة… أم بداية نظام مالي جديد؟
تسجيل الذهب لمستويات سعرية تاريخية يعزز التساؤلات حول ما إذا كنا نقترب من نهاية موجة صعود طويلة، أم أننا نشهد بداية مرحلة مالية عالمية مختلفة كلياً تُعاد فيها صياغة دور الذهب في الاقتصاد الدولي.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين وصناع السياسات؟
يعكس المسار التاريخي للذهب مجموعة من الحقائق المهمة، أبرزها أن:
حركة الذهب تحكمها دورات ممتدة وليست تقلبات آنية.
المتغيرات النقدية وحدها لا تفسر اتجاه السوق؛ فالأزمات الكبرى والتحولات الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا.
استمرار الضغوط التضخمية وعدم الاستقرار السياسي عالمياً يعزز أهمية الذهب كأداة تحوّط.
أي قرارات استثمارية طويلة الأمد ينبغي أن تُبنى على فهم هذه الدورات، سواء في إدارة المحافظ أو الاحتياطيات الوطنية.
اقتصاد



