الاخبار

جديد.. سوق لبيع الأرصدة المجمدة في البنوك السورية!!

يفرض مصرف سورية المركزي قيوداً مشددة على عمليات السحب النقدي من البنوك، إذ لا يُسمح للعملاء بسحب أكثر من 600 ألف ليرة سورية في العملية الواحدة، فيما رفعت بعض المصارف سقف السحب إلى مليون ليرة كحدٍّ أقصى.

هذا السقف المنخفض مقارنة بحجم الودائع، خصوصاً لدى الفاعلين الاقتصاديين، أدى إلى تنشيط سوق غير رسمية تُعرف باسم “سوق الأرصدة المجمدة”، حيث يلجأ المودعون إلى بيع أرصدتهم البنكية المجمدة لأشخاص آخرين بأسعار منخفضة مقابل الحصول على السيولة الفورية التي يحتاجونها.

سياسة تجفيف السيولة.. حلّ مؤقت لأزمة مزمنة

يؤكد الباحث الاقتصادي في شركة كرم شعار للاستشارات، ملهم جزماتي، أن ما يقدّمه “المركزي” على أنه سياسة نقدية تهدف لكبح التضخم وضبط سعر الصرف، يخفي وراءه أزمة سيولة حقيقية في الجهاز المصرفي السوري.

ويشرح جزماتي أن جزءاً كبيراً من ودائع السوريين جرى استخدامه في تمويل عجز الحكومة خلال السنوات الماضية، ولم تتم استعادته بعد، ما خلق فجوة حقيقية في الكتلة النقدية المتاحة.

وبالتالي، فإن تقييد السحب النقدي لم يعد قراراً استراتيجياً بقدر ما هو إجراء اضطراري لإدارة النقص الحاد في السيولة.

أما الباحث الاقتصادي إياد الجعفري فيرى أن المركزي يواجه معضلة مزدوجة: فرفع القيود عن السحب قد يؤدي إلى هروب جماعي للأموال من البنوك وانهيار جديد في سعر صرف الليرة، بينما الإبقاء على القيود يزيد من فقدان الثقة بالقطاع المصرفي.

ويضيف الجعفري أن هذه الأزمة نتاج سنوات طويلة من السياسات المقيدة لحرية السحب والتحويل، ما جعل المواطنين يعتبرون أموالهم “محتجزة” وليسوا أحراراً في التصرف بها، وهو ما أخرج النظام المصرفي من دائرة الثقة العامة.

ركود الأسواق وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي

يتفق الباحثان جزماتي والجعفري على أن سياسة تجفيف السيولة انعكست سلباً على الاقتصاد السوري والأسواق الداخلية. فقد أدى نقص السيولة إلى شلل في حركة التمويل والإنتاج، إذ بات التجار وأصحاب المصانع عاجزين عن شراء المواد الأولية أو دفع رواتب العاملين، ما تسبب بإغلاق العديد من المنشآت.

ويؤكد جزماتي أن هذه السياسة عمّقت فقدان الثقة بالبنوك، ودَفعت السوريين إلى الاحتفاظ بأموالهم في المنازل أو تحويلها إلى عملات أجنبية، ما أدى إلى خروج كميات كبيرة من النقد المحلي من الدورة الاقتصادية الرسمية، وزيادة الركود والتضخم في آنٍ واحد.

“سوق بيع الأرصدة المجمدة”.. اقتصاد موازٍ خارج السيطرة

نتيجة لهذه الأزمة، ظهرت في السوق ما يُعرف بـ**”سوق بيع الأرصدة”**، وهي سوق موازية تُستخدم فيها الحسابات البنكية المجمدة كوسيلة غير رسمية لتبادل النقد.

ويشرح جزماتي آلية هذه السوق قائلاً: “يقوم المودع الذي لا يستطيع سحب أمواله بتحويل مبلغ من حسابه إلى حساب تاجر أو سمسار يحتاج إلى تحويل مصرفي رسمي، مقابل أن يسلمه التاجر المبلغ نقداً بعد خصم عمولة قد تصل إلى 40% من القيمة الأصلية”.

ويحذر جزماتي من أن هذه الممارسات تُعمّق فقدان الثقة بالنظام المصرفي وتُسهم في توسيع الاقتصاد الموازي، ما يقلّص قدرة الدولة على مراقبة حركة الأموال أو تحصيل الضرائب، ويخلق في النهاية أسعار صرف متعددة تشوّه القيمة الحقيقية لليرة السورية.

محاولات إصلاح بطيئة في قطاع منهك

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن هناك خطة إصلاح تدريجية يجري العمل عليها لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، رغم بطئها وغموضها.

ويشير إلى أن المركزي منح البنوك مهلة ستة أشهر لتقديم خطط لإعادة التنظيم وإدارة السيولة.

ويؤكد السيد عمر أن كثيراً من المواطنين باتوا يعتبرون أموالهم “محجوزة”، ما جعلهم يتجهون إلى سحب كل ما يمكنهم سحبه فوراً أو البحث عن بدائل مالية خارج النظام المصرفي.

ويرى أن هذا الوضع يضعف ثقافة الإيداع المصرفي ويُقلّص قدرة البنوك على تمويل المشاريع الإنتاجية، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يؤدي بدوره إلى تراجع النشاط الاقتصادي العام.

نحو حلول واقعية ومتدرجة

يشدد السيد عمر على أن حبس السيولة ليس حلاً دائماً، بل مجرد إجراء مؤقت يعالج الأعراض لا الأسباب. ويقترح اعتماد سياسات أكثر مرونة، مثل:

تقديم أدوات ادخارية بعوائد حقيقية لجذب السيولة من السوق.

تخفيف القيود تدريجياً ضمن خطة زمنية واضحة.

التمييز بين الحسابات الجارية والودائع طويلة الأجل لتوفير مرونة أكبر.

تعزيز التعاون بين القطاع الخاص والمركزي لتطوير حلول مالية توازن بين الاستقرار والثقة.

ويخلص إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إدارة النقد، بل في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والبنك، وبين السوق والسياسة النقدية، بطريقة تخلق توازناً مستداماً يعيد الثقة للنظام المالي السوري.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى