المفارقة الصادمة : رسوم الحماية التي تقتل الصناعة!

يطرح الواقع الاقتصادي السوري اليوم سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لمنتجٍ محلي لا يتحمل تكاليف النقل أو الشحن أو الاستيراد أن يكون أغلى من نظيره المستورد؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يعكس أزمة أعمق في بنية الصناعة الوطنية، خاصة في ظل تصاعد الدعوات لرفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة تحت شعار “حماية الإنتاج المحلي”.
إلا أن خبراء الاقتصاد والصناعة يحذرون من أن هذه الإجراءات، إن لم تُرافق بإصلاحات حقيقية في بيئة الإنتاج، فقد تتحول إلى عبء جديد على المصانع السورية، وتزيد من معاناتها بدل دعمها، لتصبح الحماية سببًا في تراجع الصناعة لا في نهضتها.
رؤية الصناعيين: بين الحماية والعبء
عدد من رؤساء غرف الصناعة والتجارة يرون أن فرض رسوم حمائية مؤقتة ضرورة لضبط ما يسمونه “الإغراق السلعي” الناتج عن دخول منتجات أجنبية بأسعار زهيدة.
فبحسب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها أيمن مولوي، فإن استيراد كميات كبيرة من السلع الجاهزة أدى إلى إغراق السوق المحلية وتوقّف مصانع عن العمل، داعيًا إلى رفع الرسوم الجمركية ووقف بعض الاستيراد مؤقتًا.
أما رئيس غرفة تجارة ريف دمشق عبد الرحيم زيادة، فأيّد الفكرة لكن بحذر، مشددًا على ضرورة أن تكون الزيادات “مدروسة ومعقولة”، وأن تُرافقها خطوات لخفض كلف الإنتاج المحلي، كخفض أسعار الطاقة وتسهيل التمويل الصناعي، مما يسمح بتقديم منتج سوري منافس من حيث السعر والجودة معًا.
حين تتحول الحماية إلى خنق
التجارب الواقعية تُظهر أن رفع الرسوم دون إصلاح بيئة الإنتاج يؤدي إلى نتائج عكسية.
فالعضو السابق في غرفة صناعة دمشق وريفها حسام عابدين قدّم مثالًا لافتًا عن مادة زيت الصويا المعطل التي تُستخدم في صناعة “الألكيد ريزين”، حيث تُفرض عليها رسوم جمركية تصل إلى 300 دولار للطن، ما رفع تكلفة إنتاج المادة بنسبة 20% مقارنة بالمستورد المماثل، وأدى إلى توقف معظم معاملها.
بكلمات أخرى، الرسوم المفروضة لحماية الصناعة تحولت إلى أداة لخنقها، لأن القرارات لم تُبنَ على رؤية متكاملة تأخذ بالاعتبار سلسلة الإنتاج كاملة من المواد الأولية حتى المنتج النهائي.
الحماية الذكية: الطريق نحو المنافسة لا الانغلاق
الباحث الاقتصادي الدكتور فادي عياش يدعو إلى تبني مفهوم “الحماية الذكية”، التي لا تقوم على الإغلاق والمنع، بل على تنمية القدرة التنافسية للمصانع السورية.
ويشرح عياش أن الحماية الذكية تتضمن دعم الصادرات، تخفيض الضرائب على المواد الخام، وتبسيط الإجراءات الإدارية، إضافة إلى توفير تمويل ميسر وتشجيع الابتكار.
ويرى أن إغلاق السوق ليس حلاً، بل يجب تدريب الصناعيين وتأهيلهم للمنافسة في سوق مفتوحة تعتمد على الجودة والكفاءة.
ويشبّه العلاقة بين المنتج المحلي والمستورد بـ”استراتيجية الحوت والسمكة”؛ أي التعاون والتكامل بدل المواجهة، لتبادل الخبرات والاستفادة من التقنيات الحديثة.
جوهر المعركة داخل المصانع
الحقيقة التي يتفق عليها معظم الخبراء أن المعركة ليست على الحدود الجمركية بل داخل خطوط الإنتاج.
فالمطلوب اليوم ليس منع المستورد، بل تطوير المصنع السوري عبر تقنيات حديثة، وتدريب إداري فعال، وتمويل ميسر، وطاقة أرخص.
حينها فقط، يصبح المنتج المحلي قادرًا على المنافسة دون حماية مصطنعة.
أما رفع الرسوم العشوائي، فإنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك وتقليص خياراته، دون أي تحسن فعلي في الصناعة المحلية، بل يزيد من ضعفها ويجعلها تعتمد على الدعم الحكومي بدل الكفاءة الإنتاجية.
المستهلك بين المطرقة والسندان
الضحية الأولى لأي سياسة اقتصادية غير متوازنة هو المستهلك، الذي يجد نفسه محاصرًا بين أسعار مرتفعة للمنتجات المستوردة بسبب الرسوم، وأسعار محلية مرتفعة أيضًا بسبب ضعف الكفاءة.
وفي غياب إصلاح حقيقي في الإنتاج، تتحول الحماية إلى جباية مقنّعة يستفيد منها عدد محدود من الصناعيين، بينما يدفع المواطن الثمن من جيبه.
الشركات تموت لأنها لا تتغير
قبل عقدين فقط، كانت المصانع السورية تعمل في سوق مغلقة خالية من المنافسة الحقيقية، لكن مع التحول نحو اقتصاد السوق انقلبت المعادلة.
اليوم، المستهلك أكثر وعيًا، والمنافسة أشد، والتكنولوجيا تتغير بسرعة. ومع ذلك، لا تزال بعض المصانع تُدار بعقلية “الورشة العائلية”، دون تخطيط استراتيجي أو تطوير إداري.
الخبير في التحول المؤسسي الدكتور عبد المعين مفتاح يؤكد أن الشركات لا تموت لأنها ضعيفة، بل لأنها تفقد القدرة على التكيّف. الجمود الإداري، والاعتماد على نجاحات الماضي، وغياب الابتكار، كلها أسباب مباشرة لانهيار الشركات.
أمثلة عالمية: حين فشل الكبار في التغيير
الأمثلة العالمية كثيرة.
شركة نوكيا، التي كانت تهيمن على 40% من سوق الهواتف عام 2007، فقدت 90% من قيمتها خلال خمس سنوات بسبب تجاهلها التحولات الرقمية.
كوداك، مبتكرة الكاميرا الرقمية، انهارت عام 2012 لأنها تمسكت بفيلم التصوير التقليدي.
جنرال موتورز أعلنت إفلاسها عام 2009 بسبب بيروقراطية ضخمة وتأخر في تبني التكنولوجيا.
بلاك بيري خسرت حصتها السوقية لأنها تجاهلت تجربة المستخدم.
كل هذه الأمثلة تؤكد أن موت الشركات لا ينتج عن نقص رأس المال، بل عن فشل استراتيجي في الابتكار والتحديث.
الخلل في الطرح المحلي
أما في السياق السوري، فالمطالبة بحماية المنتج المحلي عبر تقييد الاستيراد تكشف، بحسب د. مفتاح، عن سوء فهم لطبيعة المشكلة.
إذ من غير المنطقي أن يكون المنتج المحلي، الذي لا يتحمل تكاليف الشحن والجمارك، أغلى من المستورد إلا إذا كانت هناك مشكلات داخلية في الكفاءة أو الإدارة أو الإنتاج.
فالعديد من المصانع تُدار بعقلية فردية دون تخطيط أو تنظيم، وترفض الشراكات التي يمكن أن تخفّض التكاليف وتزيد القدرة الإنتاجية، ما يجعلها عُرضة للتراجع والاختفاء مع أول هزة في السوق.
الابتكار: روح البقاء الصناعي
يرى د. مفتاح أن الابتكار هو خط الدفاع الأول ضد الانقراض.
ويضرب مثالًا بصناعي سوري أنشأ خط إنتاج يعتمد على التشغيل الآلي الكامل واستخدام الطاقة الشمسية لتخفيض التكاليف، فنجح في المنافسة محليًا وخارجيًا.
تقرير “Innosight” الأمريكي يؤكد هذه الحقيقة بالأرقام: 52% من الشركات المدرجة في قائمة Fortune 500 عام 2000 اختفت بحلول 2020 بسبب فشلها في التكيّف مع التحولات التقنية وإعادة ابتكار نماذج أعمالها.
الدرس الأخير: الحماية من الداخل لا من الجمارك
الجدل حول حماية المنتج الوطني مشروع، لكنه يجب ألا يُختزل في رفع الرسوم أو إغلاق الحدود.
فالصناعة السورية لا تحتاج إلى جدار يمنع المنافسة، بل إلى إصلاحات داخلية حقيقية تعزز الجودة وتخفض الكلفة وتبني علامة تجارية سورية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
الصناعي الناجح ليس من يخاف من المنافسة، بل من يحوّلها إلى فرصة.
والشركة لا تموت لأن السوق تغيّر، بل لأنها توقفت عن التعلم.
الابتكار، والتحول الرقمي، والحوكمة الذكية ليست ترفًا، بل شرطًا للبقاء.
ومن يفهم هذه القاعدة، سيبقى واقفًا في مواجهة التغيير، بينما يتساقط من يظنون أن “الحماية” قادرة على إنقاذهم من التطور.
“أخبار الصناعة السورية”



