الاخبار

التهديد الجهادي في سوريا.. كيف يُواجهَهُ أحمد الشرع

منذ انطلاق الانتفاضة السورية عام 2011، تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة لصراعات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة، جعلت منها نموذجًا معقدًا لتفكك الدولة الحديثة. ومع سقوط نظام بشار الأسد بعد أكثر من عقد من الحرب، لم تُطو صفحة الأزمة، بل فُتح فصل جديد أشد تعقيدًا مع بروز نظام بديل بقيادة أحمد الشرع، القيادي السابق في “جبهة النصرة”.

لكن ولادة هذا النظام الجديد جاءت في ظل فراغ سياسي وأمني واسع، أعاد إلى الواجهة خطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي استغل الفوضى لاستعادة نشاطه في مناطق عدة. وبين طموح الشرع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحديات الإرهاب والانقسام، تجد سوريا نفسها اليوم أمام اختبار مصيري يتعلق بمستقبلها ووحدتها.

من الثورة إلى الفوضى: الجذور الأولى للتحول

عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية عام 2011، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول البلاد خلال سنوات إلى ساحة حرب إقليمية ودولية. ومع تصاعد النزاع المسلح، برزت التنظيمات الجهادية، وفي مقدمتها جبهة النصرة التي تشكّلت نهاية 2011 بارتباط وثيق بتنظيم “القاعدة”، بقيادة أبو محمد الجولاني، في مقابل صعود تنظيم “داعش” بزعامة أبو بكر البغدادي.

وفي عام 2013، أعلن البغدادي قيام “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ما فجّر انقسامًا عنيفًا بين “النصرة” و”داعش”. ثم جاء عام 2014 ليشهد ذروة تمدد التنظيم بعد سيطرته على الموصل ومساحات واسعة من العراق وسوريا، وإعلانه قيام “الخلافة الإسلامية”. لكن بعد حملة عسكرية دولية واسعة، انهارت “دولة الخلافة” بحلول 2017، واستمر القتال حتى استعادة آخر جيوب التنظيم عام 2019.

إلا أن “داعش”، بحسب تقارير Crisis Group، لم يختفِ، بل أعاد تشكيل نفسه كحركة تمرد نشطة تعتمد على الكمائن والاغتيالات والهجمات السريعة في مناطق البادية ودير الزور والحسكة.

صعود نظام أحمد الشرع: فرصة جديدة أم مرحلة انتقالية غامضة؟

مع تراجع النظام السابق وتآكله تحت وطأة العقوبات والانقسامات، برز أحمد الشرع، أحد الوجوه العسكرية السابقة في جبهة النصرة، كقائد لمرحلة انتقالية جديدة. وبدعم من تحالفات إقليمية ودولية، تولّى إدارة ما سُمّيت بـ”الحكومة السورية الانتقالية” في نهاية عام 2024.

ورغم أن المجتمع الدولي رحّب بالتحول باعتباره خطوة نحو الاستقرار، إلا أن الشرعية التي يستند إليها النظام الجديد تبقى مشروطة ومحدودة. فالتحديات الأمنية، والانقسامات الاجتماعية، ونقص الموارد، إلى جانب التوازنات الإقليمية الحساسة، تجعل مهمة الشرع أشبه بالسير في حقل ألغام سياسي وأمني.

وتشير تحليلات “فورين أفيرز” إلى أن النظام الجديد يواجه مهمة معقدة تتمثل في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها في بيئة ما زالت ممزقة بين الولاءات الطائفية والعشائرية والفصائل المسلحة.

عودة “داعش”: من الانهيار إلى التمرد

بعد سقوط الخلافة المكانية عام 2019، بدا “داعش” في حالة انحسار، لكن انهيار النظام السابق فتح له مجددًا أبواب الفراغ الأمني. خلال عامي 2024 و2025، عاد التنظيم إلى تنفيذ هجمات نوعية في البادية والجنوب السوري، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية الصعبة ومن ضعف التنسيق الأمني.

وتشير تقارير دولية إلى أن “داعش” غيّر تكتيكاته نحو حرب العصابات، معتمدًا على الكمائن، وزرع العبوات الناسفة، وعمليات الاغتيال ضد شخصيات محلية، إلى جانب حملات دعاية رقمية تهدف إلى تشويه صورة النظام الجديد واستقطاب مقاتلين جدد.

أبرز تلك العمليات كان تفجير كنيسة أرثوذكسية في دمشق في يونيو/حزيران 2025، الذي أودى بحياة العشرات وأظهر قدرة التنظيم على ضرب العمق السوري مجددًا.

استراتيجية النظام الجديد: بين الأمن والسياسة

يرى مراقبون أن نجاح النظام السوري الانتقالي بقيادة الشرع في مواجهة “داعش” يتوقف على مقاربة متعددة الأبعاد لا تقتصر على الحل الأمني. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء جهاز أمني منظم قادر على التنسيق مع المجتمع المحلي، ودمج الفصائل والعشائر ضمن إطار وطني موحّد.

وتشمل خطة الحكومة الجديدة:

إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتجنيد عناصر محلية من مختلف المناطق.

تنسيق استخباراتي محدود مع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

دمج مقاتلين سابقين من “قسد” والميليشيات المحلية في مؤسسات الدولة الجديدة.

معالجة ملف المقاتلين الأجانب ضمن تسوية دولية تضمن الحد من التهديدات العابرة للحدود.

ورغم استمرار التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، فإن الانسحاب الأميركي الجزئي منذ عام 2024 أثار مخاوف من عودة قوية لتنظيم “داعش” في ظل ضعف القدرات الاستخباراتية المحلية.

المعركة على الشرعية

إلى جانب التهديد الأمني، يواجه أحمد الشرع معركة سياسية وفكرية لا تقل خطورة. فبناء شرعية داخلية في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات يحتاج إلى مصالحة وطنية، وإصلاح اقتصادي، وبرامج فكرية ودينية لمحاربة التطرف.

تسعى الحكومة الجديدة إلى دمج العشائر والمجتمعات المحلية في جهود إعادة الإعمار ومكافحة الإرهاب، مع إطلاق مبادرات تعليمية ودينية تهدف إلى مواجهة الفكر المتشدد وتفكيك خطاب “داعش”.

لكن التحدي الأكبر يبقى في تحقيق التوازن بين القبضة الأمنية والحكم الرشيد، بحيث لا تتحول الحرب على الإرهاب إلى غطاء لتكريس سلطوية جديدة.

نحو استقرار مشروط

بينما يحاول أحمد الشرع رسم ملامح سوريا جديدة، يبدو أن البلاد أمام اختبار طويل الأمد. فالتوازن بين الأمن والسياسة، بين الداخل والخارج، وبين محاربة الإرهاب وبناء الشرعية، سيحدد ما إذا كانت سوريا ستدخل مرحلة استقرار حقيقي أم دوامة صراع جديدة.

ففي النهاية، لا يكفي القضاء على “داعش” عسكريًا، بل يجب معالجة الجذور السياسية والاجتماعية والفكرية التي سمحت له بالظهور مجددًا. عندها فقط يمكن القول إن سوريا بدأت تخطو فعلاً نحو إعادة بناء دولتها الممزقة.

180 بوست

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى