إسرائيليون يتجولون في بيروت… كيف دخلوا وبأي هدف؟

في ظل تصاعد التوترات العسكرية على الحدود الجنوبية للبنان والغارات الإسرائيلية المتكررة، برز نوع جديد من الاختراق أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية، يتمثل في دخول إسرائيليين إلى الأراضي اللبنانية باستخدام جوازات سفر أجنبية، تحت غطاء السياحة أو العمل الصحافي والأكاديمي، والتجول بحرية في مناطق حساسة مثل بيروت والضاحية الجنوبية.
أحد أبرز هذه الحالات كان بيني وكسلر، وهو إسرائيلي متدين وصاحب وكالة سفر من القدس، الذي كشف في تقرير بثته هيئة البث الإسرائيلية “كان” أنه دخل بيروت بجواز سفر أجنبي، وقام بتوثيق رحلته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نشر صوراً له أمام معالم بارزة مثل صخرة الروشة ومطار بيروت. كما تجول في الضاحية الجنوبية وزار مواقع دينية يهودية، بما في ذلك ضريح الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، دون أن تُكتشف هويته.
وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن وكسلر زار أكثر من 100 دولة، بعضها تُعد معادية لإسرائيل مثل العراق وأفغانستان والسودان، وتمكن من دخول مناطق حساسة في لبنان دون أن يثير الشكوك. وقد اتخذ إجراءات أمنية مشددة قبل سفره، منها تغيير هاتفه وإخفاء أدوات الصلاة اليهودية، وحجز رحلته عبر وكيل أميركي لتجنب تعقب عنوان الإنترنت الإسرائيلي.
رحلة وكسلر ليست حالة فريدة، فقد سبقه آخرون مثل جوشوا تارتاكوفسكي، الذي دخل لبنان بجواز بريطاني في أكتوبر 2024 بصفته صحافياً مستقلاً، قبل أن يُكتشف أنه يحمل أيضاً جوازاً إسرائيلياً ويُرحّل لاحقاً. كما احتُجز دان بروتمان، وهو طالب إسرائيلي أميركي، في يوليو الماضي لمدة ستة أيام، بعد دخوله لبنان عبر الحدود السورية، حيث اتُهم بالتجسس وتعرض لسوء المعاملة، وفقاً لروايته.
وتتكرر هذه الحالات بسبب امتلاك العديد من الإسرائيليين جوازات سفر أجنبية، نتيجة أصولهم المهاجرة، ما يتيح لهم دخول لبنان دون أن يُكشف عن جنسيتهم الأصلية. بعضهم يدخل لأغراض سياحية أو بحثية، بينما يستخدم آخرون هذه الوسيلة لأهداف استخباراتية، في ظل نشاط أجهزة مثل “الموساد” التي تعتمد على مدنيين أو متعاونين لجمع معلومات داخل الأراضي اللبنانية.
وتبقى هذه الظاهرة مصدر قلق أمني، خاصة مع وجود تقارير عن دخول إسرائيليين بجوازات مزورة أو هويات غير حقيقية، كما في حالة صالح أبو حسين، الذي سُلم إلى الصليب الأحمر الدولي بعد احتجازه في لبنان لعام كامل، دون أن يُثبت تورطه في نشاط عسكري أو أمني.
في المحصلة، فإن دخول إسرائيليين إلى لبنان بجوازات أجنبية يطرح تحديات قانونية وأمنية، ويكشف عن ثغرات في الرقابة الحدودية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استخدام هذا الأسلوب لأغراض تتجاوز السياحة أو العمل الإعلامي.
تقول شخصية أمنية رفيعة، رفضت الكشف عن اسمها، “إن ما أثير حول زيارة وكسلر، مبالغ به جداً، بخاصة إذا ما قارنا بينه وبين المبعوث الأميركي السابق أموس هوكشتاين، الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية وخدم في الجيش الإسرائيلي من عام 1992 إلى عام 1995 قبل أن ينتقل إلى واشنطن”. وتتابع أن “هوكشتاين زار قيادات لبنان، وكان الوسيط بين بيروت وتل أبيب، وأكثر من هذا خرج إلى العشاء والتقط صوراً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ونواب وشخصيات وتجول في العاصمة واستقبل بكل حفاوة أينما ذهب”، فيما دخول وكسلر إلى لبنان لا يعد تقصيراً من الأمن العام اللبناني، بخاصة أنه من المستحيل أن يمتلك لبنان داتا عن كل يهود أو إسرائيليي العالم.
وتعتبر هذه الشخصية الأمنية أن هؤلاء يأتون من دول أخرى أو بجوازات لم تختم في مطارات إسرائيلية، وكانت تحدث مثل هذه الزيارات سابقاً من دون أن تثار كل هذه الضجة، ولكن اليوم بسبب الاصطفاف السياسي والحرب ما بين “حزب الله” وإسرائيل، أصبح الموضع جدلياً في الإعلام والصحافة.
ماذا يقول القانون اللبناني؟
القانون اللبناني واضح في هذا السياق، وأي دخول إلى لبنان من شخص يحمل الجنسية الإسرائيلية ممنوع ومجرم، حتى لو استخدم جوازاً آخر، لكن يبقى من المستحيل رصد كل الجنسيات التي يمتلكها الوافدون إلى لبنان إن لم تذكر في أوراقهم الرسمية.
الأمن العام اللبناني في مطار رفيق الحريري الدولي، كما عند المعابر الحدودية، يتأكد من مكان الولادة أو الدخول السابق إلى إسرائيل عبر “الختم الإلكتروني”، لكنه لا يكتشف جميع الحالات. وإذا انكشف الأمر، تتم التحقيقات والترحيل أو التوقيف بحسب طبيعة الدخول، (إنساني، بحثي، تجسسي).
فيما يعتمد الإسرائيلي الذي يريد دخول لبنان عادة، وبحسب مصادر أمنية، السفر أولاً إلى دولة ثالثة، أبرزها قبرص، تركيا، فرنسا، أو الأردن، ثم يأتي منها إلى بيروت. ولا يدخل أحدهم بجواز إسرائيلي على الإطلاق، لأن لبنان لا يعترف به، ولأن إسرائيل لا تزال تصنف كعدو.
زيارات إنسانية وروحية في السابق
في الحقيقة، دخول الإسرائيليين إلى لبنان لم يكن دائماً “محرماً” كما هو اليوم.
فقبل تصاعد الصراع وتصلب الاصطفافات الإقليمية، كانت هناك مساحات رمادية من التواصل بعضها ديني أو اجتماعي أو إنساني. فمن جهة، زار عدد من أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل لبنان وسوريا خلال مراحل سابقة، بخاصة في سياقات دينية أو عائلية، حين كانت الروابط المذهبية والعائلية العابرة للحدود تسبق الانقسامات السياسية.
هذه الزيارات تمت غالباً حينها بتنسيق خاص أو بوساطة أطراف دولية، مع أنها “زيارات إنسانية” أو “روحية”، لا سياسية.
وفي الاتجاه المعاكس، جاءت زيارة البطريرك الماروني اللبناني مار بشارة بطرس الراعي، في شهر مايو (أيار) 2014 وذلك لمرافقة البابا فرانسيس، لتشمل الأردن ومدينة القدس وبيت لحم، وشكلت سابقة رمزية، إذ كسرت محظوراً تقليدياً، وقد التقى حينها بمسيحيين لبنانيين يعيشون داخل إسرائيل.
لكن هذه الخطوات، على محدوديتها، فتحت نقاشاً حول طبيعة العلاقة مع الداخل الإسرائيلي، بين من يراها جسراً روحياً وإنسانياً، ومن يعتبرها تطبيعاً ناعماً.
المفارقة اليوم أن ما كان في الماضي يتم تحت أطر دينية أو اجتماعية بات يُستغل في الحاضر كأداة أمنية وسياسية، ودخول إسرائيليين بجوازات أجنبية إلى لبنان، يقرأ من قبل البعض على أنه اختبار السيادة اللبنانية وبداية تآكل الخط الفاصل بين إسرائيل ولبنان.
في جوهر المشهد الجديد، لا تسعى إسرائيل إلى التطبيع السياسي فحسب، بل إلى ما يمكن تسميته بـ “تطبيع الوعي” أي جعل الوجود الإسرائيلي في الفضاء العربي مألوفاً، لا مستفزاً.
وحين يظهر إسرائيلي في بيروت بجواز أوروبي أو أميركي، ويتجول في المقاهي والأسواق، فإن الغاية لا تقتصر على جمع معلومات أو اختبار أمن المطار العاصمة، بل هي محاولة لترسيخ فكرة أن “العدو” أصبح جزءاً من المشهد الطبيعي، وأن الحاجز النفسي الذي صمد لعقود يمكن تجاوزه بالابتسامة والسياحة والصورة.
وقد يكون هذا النوع من الاختراق الرمزي أخطر من القصف والتدمير، لأنه يخترق الإدراك لا الجغرافيا.
وبدل أن تتخطى إسرائيل الأسلاك الشائكة في الجنوب، تسعى اليوم لاختراق المخيلة الجماعية اللبنانية لتعتاد على مشهد الإسرائيلي المتحضر، المدني، الهادئ الذي لا يحمل بندقية، بل كاميرا أو دفتر ملاحظات.
وبجميع الأحوال، إنه سلاح ناعم في حرب إدراكية طويلة المدى، هدفه ليس الانتصار في معركة، بل تغيير المعنى ذاته للعداوة. في المقابل، يعكس هذا التوجه الإسرائيلي ثقة متزايدة بأن الردع اللبناني يعيش تآكلاً نفسياً، وأن المجتمع المنهك اقتصادياً والمنقسم سياسياً يمكن التسلل إلى وعيه قبل أرضه. ولذلك، فإن ما يبدو ظاهرياً، زيارة عابرة، هو في الحقيقة اختباراً للحدود الرمزية للبنان، حدوده الأمنية، وحدوده النفسية، وحدوده الهوياتية.
يقول الإعلامي اللبناني سام منسى، إنه “تاريخياً كل أصحاب الجنسيات المزدوجة يدخلون إلى لبنان، وهذا ليس بجديد، ولكن في الفترة الراهنة وبسبب تصاعد الحديث عن السلام والتسويات، وبعد الحرب على (حزب الله) والقدرة على الاقتصاص منه، ربما أخذ الموضوع هذا الحيز. ولكن دخول هؤلاء شرعي لأن جوازاتهم غير مختومة بأختام إسرائيلية”، مضيفاً “لا أعلم حقيقة لماذا أخذ الموضوع كل هذه الضجة، الموضوع ليس بجديد، وإذا كان أحدهم يحمل الجنسية الأسترالية أو الأميركية أو الصينية أو الفرنسية، ودخل إلى لبنان، فما الغريب هنا؟… الدبلوماسيون يدخلون إلى لبنان وهم إسرائيليون، ومورغان أورتاغوس وهوكشتاين أدق تعبير عن الموضوع، وهو إسرائيلي وخدم بالجيش وقام بوساطة بين لبنان وإسرائيل، ويتجول في لبنان وبأسواق بيروت، بشكل اعتيادي، فإن هذه الضجة ليست ذي صلة”.
من “الاختراق النفسي” إلى “الاختراق السياسي”
يعكس دخول الإسرائيليين بجوازات أجنبية مؤشراً على تحول في المقاربة الإسرائيلية، من حرب الظل إلى تهيئة الأرضية لتسويق “سلام ممكن” بعد إخضاع “محور الممانعة”.
وفي تصريحات حديثة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح إن “هزيمة حزب الله تفتح الباب أمام السلام بين إسرائيل ولبنان، بل وسوريا أيضاً”.
وبهذا المنطق، لا تتعامل إسرائيل مع لبنان كعدو مطلق، بل كمجتمع يمكن فصله عن “حزب الله” وإقناعه بأن مصلحته تكمن في الانفتاح الاقتصادي لا في الاصطفاف الأيديولوجي.
لذا، تصبح تلك الزيارات “المدنية” بوجوه أوروبية وأميركية لكن بجذور إسرائيلية، اختباراً اجتماعياً مصغراً، كيف سيتفاعل اللبناني العادي مع فكرة الإسرائيلي الزائر لا “الغازي”؟ هل سيثور؟ أم يتجاهل؟ أم يتقبل؟.
هذا السلام غير المُعلن بعد يُصاغ الآن في الأذهان قبل أن يُوقع على الورق. فيما تتحول الحركة المدنية إلى دبلوماسية ميدانية خفية، تمهد لتسويق فكرة أن العداء لم يعُد قدراً، وأن إسرائيل مستعدة لـ”سلام مشروط” مع جيرانها، شرط أن يُزال من المشهد من تعتبرهم قوى تعطيل، أي “حزب الله” والنفوذ الإيراني.
هذه الظاهرة التي كانت تُعد هامشية في الماضي، تحولت اليوم إلى أداة رمزية في الحرب النفسية والسياسية التي تخوضها إسرائيل ضد لبنان، إذ تتجاوز هدف التجسس إلى اختبار قدرة الردع اللبنانية، وكأنها تقول، “ها نحن هنا، بينكم، في وضح النهار، ولا أحد يكتشفنا”.
أما في العمق، فإن إسرائيل تحاول من خلال هذه الاختراقات الناعمة أن تبعث برسائل متعددة المستويات، رسالة إلى الداخل اللبناني مفادها أن الحدود ليست حماية كافية، وأن “العدو” قادر على الوصول إلى قلب العاصمة بطرق سلمية وشبه شرعية، ورسالة إلى المجتمع الدولي تروج لفكرة أن لبنان لم يعد “بلداً مغلقاً” أمام الإسرائيليين، وأن زمن المقاطعة التامة قد ولى، في محاولة لتطبيع الوجود الإسرائيلي بشكل غير مباشر ومن خلال الرمزية الميدانية لا القنوات الرسمية. كما أن وجود هؤلاء المدنيين في بيروت أو الجنوب يُشكل نوعاً من الاستطلاع الميداني الهادئ، واختبار لردود فعل الأجهزة الأمنية، وجمع انطباعات اجتماعية ونفسية من الداخل اللبناني، ما يخدم لاحقاً أي سيناريو سياسي أو عسكري قيد التحضير.
وعلى هذا، فإن دخول الإسرائيليين بجوازات أجنبية قد لا يكون غاية تجسسية فحسب، وليس كل دخول ينتهي باعتقال أو عملية تجسس عسكرية، وكثيراً ما يجمع الزائر انطباعات اجتماعية وسياسية، لقاءات بأشخاص، صوراً ومشاهد تُغذي تقييمات استخباراتية أو تقارير إعلامية تُستخدم لاحقاً في التخطيط.
وربما عبر رسالة سياسية مُبطنة تقول تل أبيب، “ها نحن هنا، لا كأعداء، بل كزائرين محتملين في مرحلة ما بعد الحزب”.
اندبندت عربية



