اقتصاد

سورية تواجه فاتورة استيراد ضخمة تتجاوز 60 مليار دولار في 2026!

تشهد سورية موجة اقتصادية معقدة وسط توقعات بارتفاع غير مسبوق في فاتورة الاستيراد خلال العام المقبل لتصل إلى نحو 60 مليار دولار، في وقت بدأت فيه الصادرات تسجل انتعاشًا محدودًا مدفوعًا بالقطاع الزراعي الذي استحوذ على 64% من إجمالي الصادرات خلال النصف الأول من 2025.

صادرات زراعية تقود النمو

بحسب بيانات رسمية، ارتفعت الصادرات السورية خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 39% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، لتصل قيمتها إلى نحو 500 مليون يورو (587.6 مليون دولار)، وتوزعت على 90 دولة.

وشكّلت المنتجات الزراعية العمود الفقري للصادرات بقيمة تجاوزت 320 مليون يورو (376 مليون دولار)، شملت الخضراوات والفواكه الطازجة والزعتر والمجففات والحبوب والزيتون وزيت الزيتون، إضافة إلى صادرات بيض الدجاج والأغنام، حيث تم تصدير 38200 رأس حتى منتصف العام، منها 37 ألف رأس إلى السعودية و1200 رأس إلى الأردن، ما جعل سورية تتصدر الدول العربية وتأتي خامسًا عالميًا في هذا المجال.

الصناعة والغذاء في المرتبة الثانية

في المقابل، حققت الصناعات الغذائية نحو 60 مليون يورو (70.5 مليون دولار)، أي ما يعادل 17% من إجمالي الصادرات الصناعية، فيما استحوذت الصناعات الكيماوية على 47% والنسيجية على 15% بقيمة تقارب 80 مليون يورو (94 مليون دولار).

كما بلغت صادرات الأحذية 3 آلاف طن بقيمة قاربت 10 ملايين دولار، متجهة إلى أسواق العراق ولبنان والخليج وتركيا ورومانيا ودول أوروبا الشرقية.

أما الفوسفات فظل من أبرز السلع المصدّرة بكمية بلغت 140 ألف طن، لتبقى سورية ضمن أكبر خمس دول منتجة له عالميًا باحتياطي يُقدّر بـ2.1 مليار طن.

فجوة ضخمة بين الصادرات والواردات

ورغم تحسن أرقام التصدير، فإنها لا تمثل سوى 5% من مستوى الصادرات السورية في 2010، عندما بلغت 11.3 مليار دولار مقابل واردات قيمتها 17.5 مليار دولار.

أما اليوم، فيؤكد محمد حلاق، عضو غرفة تجارة دمشق، أن الفجوة بين الواردات والصادرات باتت “خطيرة”، وتشكل ضغطًا حقيقيًا على ميزان المدفوعات، لافتًا إلى أن الاستيراد تضاعف خمس مرات مقارنة بما قبل عام 2011.

ويقدّر حلاق أن فاتورة الواردات في 2026 قد تتجاوز 60 مليار دولار، مدفوعة بزيادة استيراد السيارات التي تخطت قيمتها 6 مليارات دولار، إلى جانب تدفق السلع الأجنبية عبر معابر الشمال، خصوصًا بعد سقوط النظام السابق، مشيرًا إلى أن تلك البضائع غزت الأسواق لتغطية النقص الداخلي الناتج عن الجفاف والقيود السابقة على الاستيراد.

الصناعة الوطنية في مواجهة التحدي

يرى حلاق أن الحل يبدأ من دعم الإنتاج المحلي وتقوية الصناعات الوطنية لتكون قادرة على منافسة المستوردات وخفض الاعتماد الخارجي.

وأضاف أن تحقيق التوازن التجاري يتطلب خفض تكاليف الطاقة ودعم المصدرين وتخفيف أعباء العمل، مؤكدًا أن “كل الدول القوية اقتصاديًا بنت ازدهارها على تعزيز الصادرات”.

كما دعا إلى حوار جاد بين الحكومة والقطاع الخاص لإعداد خطة وطنية لإصلاح الميزان التجاري ودعم القطاعات الإنتاجية بما يسهم في خلق فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد.

هيمنة تركية وتوسع صيني

رغم سياسات “ترشيد الاستيراد” التي اعتمدتها الحكومات السورية خلال سنوات الحرب، بقيت تركيا المورّد الأبرز للسلع إلى السوق السورية.

فقد بلغت قيمة الصادرات التركية إلى سورية نحو 1.9 مليار دولار حتى يوليو 2025، بزيادة 54% عن العام السابق، بينما لم تتجاوز الصادرات السورية إلى تركيا 147 ألف دولار فقط.

وبحسب تجار، فإن كثيرًا من المنتجات السورية كالورق وصابون الغار والجلود وزيت الزيتون تُهرّب إلى تركيا لتُعاد تعبئتها وتصديرها عبر ميناء مرسين على أنها تركية المنشأ، تجنبًا لتكاليف التصدير المرتفعة من الموانئ السورية.

في المقابل، ارتفع حجم الواردات من الصين إلى أكثر من 1.1 مليار دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات السورية إليها 1.6 مليون دولار فقط، مع تضاعف المتاجر التي تبيع منتجات صينية زهيدة الثمن مستفيدة من ضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

أما الأردن، فقد زادت صادراته إلى سورية بنسبة 405% لتصل إلى 149.2 مليون دولار، مقابل صادرات سورية بقيمة 64.8 مليون دولار فقط، معظمها من المنتجات الزراعية والنسيجية.

السوق تغرق بالبضائع والقدرة الشرائية تتراجع

تغص الأسواق السورية اليوم بالسلع المستوردة القادمة من الصين وتركيا والخليج، بينما يواجه المواطنون ضعفًا حادًا في قدرتهم الشرائية.

وبحسب مؤشر قاسيون، بلغت كلفة المعيشة لأسرة مكونة من خمسة أفراد نحو 11.3 مليون ليرة سورية شهريًا (حوالي 1000 دولار)، في حين يُقدّر الحد الأدنى للمعيشة بـ7.1 ملايين ليرة (630 دولارًا).

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن سورية خسرت أكثر من 800 مليار دولار من ناتجها المحلي الإجمالي منذ عام 2010، ما يجعل أي تحسن في الصادرات مجرد تعويض محدود لا يعكس نموًا إنتاجيًا حقيقيًا.

بين الانكماش والنمو الحذر

يتوقع البنك الدولي أن يخرج الاقتصاد السوري تدريجيًا من مرحلة الانكماش خلال 2025، مع إمكانية تسجيل نمو بنسبة 1% بعد انكماش بلغ 1.5% في 2024.

لكن هذا التعافي يبقى مشروطًا بقدرة الحكومة على تنشيط القطاعين الزراعي والصناعي، وتحسين بيئة الإنتاج، وتعزيز الصادرات باعتبارها البوابة الأساسية للنمو الاقتصادي المستدام.

الخبير السوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى