تفاهم تركي سوري وشيك.. هل يقترب الاتفاق الأمني الشامل؟

تدخل العلاقة بين تركيا وسوريا مرحلة جديدة تتمحور حول “التعاون الأمني”، بعد سنوات من القطيعة والتوتر السياسي والعسكري. مع التطورات الأخيرة، مثل الاجتماعات الرفيعة بين وفود البلدين في أنقرة، وتزايد التقارب بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بالإضافة إلى التصريحات الصريحة لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أصبح الوضع يعكس تحولات استراتيجية وميدانية قد تكون أعمق مما تبدو عليه في الوهلة الأولى.
في تصريحات حديثة له، أكد فيدان أن تركيا تعتبر “أمن سوريا جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي”، مشيرًا إلى أن الاجتماعات بين الطرفين تناولت خطوات مشتركة لضمان استقرار سوريا ووحدة أراضيها.
تفاهمات قريبة.. هل يقترب اتفاق أمني شامل؟
أحد أبرز الملفات التي كانت محور النقاشات بين أنقرة ودمشق كان “قوات سوريا الديمقراطية”، حيث تطالب تركيا بتسليم أسلحتها واندماجها الكامل في الجيش السوري. في المقابل، تسعى دمشق إلى الحفاظ على توازن حساس بين المصالحة الداخلية وتجنب استفزاز أنقرة.
في سياق متصل، عقد لقاء في دمشق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، بحضور مبعوثين أمريكيين. هذا اللقاء أسفر عن اتفاق مبدئي يتعلق بتسليم “قسد” إنتاج النفط من حقول دير الزور إلى الحكومة السورية، مع الاحتفاظ بنسبة معينة لتلبية احتياجات السوق المحلي. ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو رمزية، إلا أنها تفتح الباب لدمج “قسد” تدريجيًا ضمن المؤسسات السورية، وهو ما تتابعه تركيا عن كثب، كونها تعتبر “قسد” امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف كمنظمة إرهابية تهدد أمنها.
تطورات جديدة في الشمال السوري.. من اتفاقية أضنة إلى اتفاقات أوسع؟
الباحث في العلاقات الدولية، مهند حافظ أغلو، أشار إلى أن المنطقة تشهد الآن آخر مراحل “سباق إعادة بناء الدولة السورية” على الصعيدين الأمني والعسكري. وهو يعتقد أن التحركات التركية الأخيرة تهدف إلى معالجة الملفات العالقة، بما في ذلك ملف “قسد” وملف الجنوب السوري، عبر التنسيق المباشر مع دمشق.
أغلو يرى أن أنقرة مستعدة لإقامة قواعد عسكرية مشتركة مع دمشق داخل الأراضي السورية في عمق يتراوح بين 30 و40 كيلومترًا، وهو ما قد يعيد صياغة التعاون العسكري بين البلدين بشكل أوسع من اتفاقية “أضنة” الموقعة عام 1998.
خيارات “قسد” بين الضغط التركي والولاء السوري
فيما يخص “قسد”، يواجه التنظيم خيارًا صعبًا: إما أن يقطع علاقاته مع حزب العمال الكردستاني (PKK) ويتحول إلى قوة سورية وطنية خالصة، أو أن يواجه احتمال تحرك عسكري تركي-سوري مشترك لإنهاء نفوذه في الشمال الشرقي.
تركيا، حسب أغلو، تعتبر أن “أمنها القومي مهدد طالما ظل عناصر حزب العمال الكردستاني نشطين داخل سوريا”، وستضطر للتحرك العسكري إذا فشلت دمشق في دمج “قسد” في مؤسساتها بشكل كامل.
الجنوب السوري.. الصراع الصامت
إلى جانب ملف “قسد”، يشير أغلو إلى أن مناطق السويداء ودرعا والقنيطرة في الجنوب السوري تشهد أيضًا توترات أمنية محلية، وأن إسرائيل قد تحاول استغلال هذه الاضطرابات لتعزيز وجودها هناك تحت ذريعة “حماية الأقليات”، وخاصة الدروز. في المقابل، تسعى تركيا إلى سد أي فراغ أمني في الجنوب عبر التنسيق مع دمشق، لمنع إسرائيل من استغلال الوضع.
المستقبل.. دمج “قسد” أو التحرك العسكري؟
في ضوء هذه التطورات، يرى أغلو أن أمام دمشق خيارين: إما دمج “قسد” تدريجيًا في الجيش السوري تحت إشراف تركي غير معلن، أو قبول تحرك عسكري مشترك ينهي وجود “قسد” ككيان مستقل.
وفي النهاية، يرى أغلو أن تركيا ستواصل مشروعها لضمان أمن حدودها الجنوبية، سواء من خلال تفاهمات دبلوماسية أو عمليات ميدانية إذا فشلت الحلول السياسية.
شراكة ضرورية لا تحالف ودي
على الرغم من التحولات الأخيرة واللقاءات الإيجابية بين أنقرة ودمشق، تبقى العلاقة بين البلدين توازنًا للمصالح أكثر منها تحالفًا استراتيجيًا. تركيا تسعى لضمان أمن حدودها ومنع قيام كيان كردي في شمال سوريا، في حين تسعى دمشق لاستعادة سيادتها على كامل أراضيها دون تصعيد مع أنقرة أو “قسد”.
المرحلة القادمة قد تشهد اتفاقيات أمنية جديدة تتجاوز ما تم التوصل إليه في اتفاقية أضنة، مما يشير إلى مرحلة جديدة من التعاون الأمني بين البلدين قد تعيد رسم خريطة النفوذ والأمن في سوريا والمنطقة.
سكاي نيوز عربية



