الاخبار

السبيل إلى تجنب حرب أهلية جديدة في سوريا

في ديسمبر 2024، شهد العالم تحوّلًا دراماتيكيًا عندما نجحت فصائل متمردة، بقيادة “هيئة تحرير الشام”، في إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، منهية عقودًا من الحكم الاستبدادي. قاد العملية أحمد الشرع، الذي تولّى بعدها رئاسة حكومة انتقالية، في خطوة أربكت المشهد الإقليمي والدولي.

ورغم خلفيته المتشددة كقيادي سابق في تنظيم القاعدة، حظي الشرع بدعم غير متوقع من الرئيس الأميركي آنذاك، دونالد ترمب، الذي وصفه بـ”القوي” و”الجذاب” بعد لقائهما في مايو. إثر هذا اللقاء، بادرت واشنطن إلى تعليق العقوبات على سوريا وأعربت عن دعمها لحكومة الشرع الانتقالية.

الشرع يتخلى عن التشدد… ظاهريًا

منذ توليه الحكم، سعى الشرع إلى تقديم نفسه كشخصية براغماتية، متخليًا عن خطابه الجهادي السابق، ومبديًا انفتاحًا على قضايا كانت تُعد “محرمات” في الماضي، منها تطبيع العلاقات مع إسرائيل. هذا التوجه جذب اهتمام دوائر صنع القرار في واشنطن، خصوصًا بعد نجاحه النسبي في إدارة محافظة إدلب خلال السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية.

لكن في الوقت نفسه، تتكوّن حكومته من عناصر متشددة، ما يثير الشكوك حول استدامة هذا التحول. فمع تفجر موجات جديدة من العنف، بدا أن النزعة الجهادية لا تزال حاضرة، حتى ضمن أروقة السلطة.

مركزية الشرع تهدد التوازن الطائفي

المعضلة الأكبر في نهج الشرع لا تتعلق بماضيه الجهادي بقدر ما تتعلق برؤيته للحكم المركزي في بلد متعدد الطوائف والأعراق. فالحكومة الانتقالية رفضت الفيدرالية رفضًا قاطعًا، واعتبرتها تهديدًا لوحدة سوريا، رغم أنها قد تكون الحل الأنسب للحفاظ على الاستقرار ومنع عودة الحرب الأهلية.

ويأتي هذا الرفض في وقت تبدو فيه الأمثلة الإقليمية، مثل لبنان والعراق، متخبطة لكنها تبقى قائمة، ما يدل على أن تقاسم السلطة بين المكونات المحلية ليس رفاهية، بل ضرورة.

تصاعد العنف الطائفي… الدروز والأكراد في الواجهة

في مارس 2025، هزت البلاد موجة عنف دامية، إذ قُتل أكثر من 1500 علوي على يد مجموعات من السنة، بينهم عناصر من قوات الحكومة الجديدة. برّرت حكومة الشرع هذه المجازر بأنها “أفعال انتقامية” ضد طائفة ساندت الأسد، في تجاهل واضح للتعقيدات الاجتماعية والطائفية التي تحكم البلاد.

وفي يوليو، شنّت قوات بدوية موالية للحكومة هجمات مروعة ضد قرى درزية في السويداء، مدفوعة بتحريض عبر تطبيقات مثل “تيليغرام”، ما أسفر عن مقتل مئات المدنيين. ولم تُخفِ الحكومة نيتها في “معاقبة” الدروز لرفضهم الخضوع للحكم الجديد، وفرضت حصارًا مشددًا على محافظتهم.

وردّت إسرائيل، التي تعتبر نفسها حامية للدروز، بسلسلة ضربات جوية ضد مواقع حكومية، في تدخل مباشر يعكس تصاعد التوترات الإقليمية.

الأكراد يرفضون الانضمام للجيش الجديد

رغم محاولات حكومة الشرع لدمج “قوات سوريا الديمقراطية” في جيش وطني موحد، رفض الأكراد التخلي عن أسلحتهم، خصوصًا بعد الأحداث الدموية في السويداء. كانوا على وشك بدء محادثات مع الحكومة في باريس، لكنهم انسحبوا بشكل مفاجئ، معلنين أن “مرحلة التفاوض قد انتهت”، وأنهم سيتعاملون مع الوضع على الأرض، في دلالة واضحة على احتمال المواجهة المسلحة.

جيش الشرع… مبالغة في الأرقام؟

تزعم الحكومة الجديدة أنها نجحت في تجنيد 100 ألف مقاتل، بينهم 30 ألفًا من الجيش الوطني السابق، لكنها لم تُقدّم أدلة ملموسة على صحة هذه الأرقام. ووفقًا لمراقبين، تبدو هذه التقديرات متفائلة إلى حد كبير، خاصة أن السيطرة على كامل الأراضي السورية تتطلب قوة منظمة ومدربة بشكل جيد.

إلى أين تتجه سوريا؟

كلما حاولت حكومة الشرع فرض مركزية شاملة، ازدادت مقاومة الأقليات، وارتفعت احتمالات اندلاع صراعات طائفية جديدة، ما يمنح قوى إقليمية مثل إسرائيل وإيران فرصة للتدخل من جديد. في هذا السياق، يدعو بعض الخبراء إلى اعتماد نظام حكم أكثر مرونة، يمنح صلاحيات للمكونات المحلية دون المساس بوحدة الدولة.

ويُعدّ هذا الخيار، بحسب المراقبين، أفضل من النسخة الطائفية للبنان أو الفيدرالية الواسعة في العراق. إذ يمكن لحكم لا مركزي معتدل أن يُقلّل من احتمالات الانفجار السياسي، ويعزز الاستقرار ويُعيد الثقة بين مكونات الشعب السوري.

موقف الولايات المتحدة… هل يتغيّر؟

رغم الدعم الأميركي الظاهري للشرع، بدأ الخطاب الأميركي يتحوّل تدريجيًا. في أغسطس 2025، صرّح المبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، بأن بلاده تفضل “نظامًا أقل من الفيدرالية” لكنه أكثر شمولًا. وهي إشارة إلى قلق متزايد داخل واشنطن من سياسة القبضة الحديدية التي يتبناها الشرع.

في نهاية المطاف، لا يمكن فرض نموذج حكم مركزي بالقوة في بلد خرج لتوّه من عقد دموي. المطلوب هو إشراك كل المكونات السورية في صياغة مستقبل البلاد، وتجنب العودة إلى دوامة العنف التي أنهكت الجميع.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى