6 دول عربية مهددة بمشروع التوسع الإسرائيلي

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن ارتباطه بما يسمى “إسرائيل الكبرى” ردود فعل غاضبة في الأوساط العربية، وسط إجماع سياسي وإعلامي على أن هذه التصريحات تعكس فشلًا داخليًا في إدارة الأزمات السياسية والعسكرية، ومحاولة للهروب نحو خطاب أيديولوجي توسعي يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
النص المعاد صياغته بأسلوب بشري ومتوافق مع محركات البحث: نددت دول عربية عدة بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي عبّر فيها عن ارتباطه العميق برؤية “إسرائيل الكبرى”، معتبرة أن هذه التصريحات تمثل انحرافًا خطيرًا نحو خطاب الهيمنة، وتكشف عن أطماع تاريخية تتجاوز حدود فلسطين لتشمل أراضي من سبع دول عربية.
نتنياهو وصف نفسه بأنه في “مهمة تاريخية وروحية”، مؤكداً ارتباطه برؤية توسعية تشمل مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وهو ما اعتبرته الدول العربية تعبيرًا عن “غطرسة القوة” ومحاولة لتوظيف الأيديولوجيا في مواجهة الإخفاقات السياسية والعسكرية التي تعصف بإدارته.
الرؤية التي تحدث عنها نتنياهو ليست جديدة، إذ تعود جذورها إلى مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوريون، الذي اعتبر قرار تقسيم فلسطين عام 1947 خطوة أولى نحو توسع إقليمي يشمل أجزاء من سوريا ولبنان. الحركة الصهيونية تجاوزت ما خصصه القرار الأممي لها، واستولت على 78% من فلسطين التاريخية، قبل أن تحتل ما تبقى منها في حرب 1967، إلى جانب الجولان السوري وسيناء المصرية.
مصطلح “إسرائيل الكبرى” يشير إلى منطقة تمتد بين نهري الفرات والنيل، وتشمل أراضي من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، إلى جانب فلسطين المحتلة. وقد سبق لقيادات إسرائيلية متطرفة، مثل بتسلئيل سموتريتش، أن دعوا إلى توسيع حدود إسرائيل لتشمل هذه الدول، في إطار ما وصفوه بـ”تحقيق الحلم الصهيوني”.
ردود الفعل العربية جاءت حاسمة، إذ أصدرت 21 دولة عربية و10 دول إسلامية بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه تصريحات نتنياهو تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية السيادة الإقليمية وتعزيز مسار السلام بعيدًا عن منطق السيطرة.
مصر، التي ترتبط باتفاق سلام مع إسرائيل، طالبت بتوضيحات رسمية، مؤكدة أن هذه التصريحات لا تعبّر إلا عن غطرسة مرفوضة، وأنها لن تسمح بأي محاولة لتطبيقها على أرض الواقع.
في السياق ذاته، اعتبر خبراء ومحللون أن تصريحات نتنياهو تأتي في إطار مغازلة اليمين الإسرائيلي المتشدد، ومحاولة لتعزيز صورته داخليًا، خاصة في ظل العزلة السياسية التي يواجهها دوليًا، وفشله في حسم المعارك العسكرية، لا سيما في قطاع غزة.
رئيس المؤسسة العربية للتنمية الاستراتيجية في مصر، سمير راغب، وصف التصريحات بأنها “غير واقعية”، مشيرًا إلى أن إسرائيل لم تتمكن من السيطرة على قطاع غزة، فكيف لها أن تفرض نفوذها على منطقة تتجاوز 2000 كيلومتر. وأضاف أن الرد المصري جاء على مستوى وزاري، ما يعكس تقييمًا دقيقًا لعدم جدية التهديد.
من جانبه، رأى رئيس مركز القدس للدراسات أحمد رفيق عوض أن فكرة “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد طموح سياسي، بل تحمل أبعادًا لاهوتية واستعمارية، وتستند إلى خرائط تاريخية قدمتها الحركة الصهيونية في مؤتمرات دولية، تشمل أراضي من عدة دول عربية.
الباحث الفلسطيني أنطوان شلحت أشار إلى أن إعادة طرح هذه الفكرة يأتي في سياق تصاعد الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، ما يدفع اليمين الإسرائيلي إلى محاولة قتل حل الدولتين، واستبداله بمشروع “إسرائيل الكاملة”، الذي يركز على فرض السيادة على كامل الضفة الغربية.
أما الباحث السعودي إياد الرفاعي، فربط تصريحات نتنياهو بالعزلة السياسية التي يعيشها، مؤكداً أن هذه التصريحات لا تعكس سياسة واقعية، بل محاولة لإثارة التوترات الإقليمية. وأوضح أن السعودية تتعامل مع هذه التصريحات عبر مسارين: الرد السياسي، وتعزيز جهودها في دعم إقامة دولة فلسطينية.
في سوريا، اعتبر الخبير الاستراتيجي فايز الأسمر أن تصريحات نتنياهو تعكس نهجًا متوارثًا لدى القيادات الإسرائيلية، محذرًا من أن عدم اتخاذ الدول العربية لمواقف صارمة قد يفتح الباب أمام تهديدات حقيقية في المستقبل.
واستشهد الأسمر بنشأة إسرائيل منذ منتصف القرن الماضي وتمددها في دول الجوار بعد حرب 1967 عبر احتلالها الضفة الغربية والجولان السوري وسيناء، وسعيها الآن إلى قضم مزيداً من الأراضي السورية من خلال الضرب بعرض الحائط باتفاق فصل القوات الموقعة بينها وبين سوريا في 1974.
واعتبر الأسمر أن ما يسمى “إسرائيل الكبرى” مصطلح “قديم متجدد، وحلم يشغل بال نتنياهو وكثير من القيادات الصهيونية المتطرفة في إسرائيل”، وأن إسرائيل “تنتهج منذ إقامتها استراتيجية لإضعاف محيطها العربي وخصوصاً دول الطوق من النواحي الاقتصادية والمالية والعسكرية، وجعلها دولاً فاشلة وغارقة في التحديات الأمنية الداخلية والمشكلات والتحديات الأخرى”.
وأضاف المتحدث أن الدول العربية “في حالة فرقة، وانشغال بمشكلاتها وهمومها الداخلية على رغم كل الاجتماعات والتحركات الدبلوماسية الحاصلة في ما بينها”، ويرى الأسمر أن مواقف تلك الدول “لا ترقى إلى مستويات مواجهة التحديات والأحداث، فهذه غزة تركت لمصيرها، وها هي سوريا تتعرض لاعتداءات واجتياحات برية شبه يومية، بل واحتلال قمم جبل الشيخ وأكثر من 500 كم من الشريط الحدودي”.
لا يجب المبالغة
وفي الأردن التي تقيم علاقات سلام مع إسرائيل، رفضت السلطات فيها تصريحات نتنياهو، باعتبارها “تعكس الوضع المأزوم للحكومة الإسرائيلية، وتتزامن مع عزلتها دولياً في ظل استمرار عدوانها على غزة والضفة الغربية المحتلتين”.
ويرى الخبير الاستراتيجي الأردني عامر سبايلة بأنه “لا يجب المبالغة بتصريحات نتنياهو على رغم خطورتها، فالأردن يدرك تماماً ما يهدده، ويعرف أنه لا يمكن التلاقي مع المشروع الصهيوني”، وأشار إلى أن “الإسرائيلي لديه رؤية لما بعد الـسابع من أكتوبر تتعامل مع الجميع كمصادر تهديد، لكن أن الأردن صامد بجيشه ومؤسساته”.
وبحسب سبايلة فإن “عمان غير معنية بأن تكون جزءاً من صراعات داخلية في إسرائيل، فتصريحات نتنياهو هدفها الهرب من استحقاقات داخلية”.
ومع أن أستاذ الدراسات الإقليمية في جامعة القدس عبدالمجيد سويلم اعتبر أن تصريحات نتنياهو “ليست جديدة، لكن طرحها من جديد يأتي في ظل قناعة من اليمين المتطرف في إسرائيل بوجود فرصة لتحويل فكرة إسرائيل الكبرى إلى مشروع عملي للتنفيذ”.
لكن سويلم شكك في قدرة إسرائيل على تحويلها إلى “مشروع للتنفيذ، ليس بأسباب تتعلق باليمين الإسرائيلي وطموحاته، إنما تتعلق بصعوبة وضعه على جدول الأعمال”، وأن طرح نتنياهو “دليل على المأزق الذي يعانيه، وليس دليل قوة، ومحاولة منه لتعويض الفشل”.
وحول رد الفعل العربي على تلك التصريحات أشار سويلم إلى أنه “اقتصر على تصريحات عامة في مواجهة خطر محدق”، وأوضح أن ذلك الموقف “يعبر عن حالة خنوع، فكان يتوجب المطالبة بالاعتذار عنها، واتخاذ إجراءات عملية”.
وعن الجذور التوراتية لرؤية إسرائيل الكبرى يرى الباحث في الدراسات اليهودية نبيه بشير أن الصهيونية العلمانية هي من طالبت في بدايات القرن الـ20 بأرض إسرائيل الكبرى من فلسطين والأردن ولبنان وأجراء من سوريا والعراق ومصر والسعودية، لكن بشير أوضح أن “نصوص التوراة غامضة في هذا الشأن، وهناك خلافات في شأنها، فعلى رغم وجود نص من النيل إلى الفرات يبقى الأمر غامضاً”.
وأشار بشير إلى أن “ساحل فلسطين لم يكن ضمن السيطرة الإسرائيلية القديمة قبل هدم الهيكل لمرتين”، لافتاً إلى أن السيطرة على الساحل “كانت لأسباب استراتيجية وليست دينية”، موضحاً أن حزب “مباي” (تحول لاحقاً إلى حزب العمل) بزعامة ديفيد بن غوريون كان يطالب حتى حرب 1973 بإعادة شرق الأردن واحتلال لبنان وأجزاء من سوريا.
وأكد المتحدث أن ذلك يعود لـ”رغبة بوجود مدى جغرافي حيوي للتعبير عن عظمة اليهود، ففلسطين صغيرة لا تكفيهم”، وأوضح أن ذلك “البعد تحول بعد ذلك إلى مطلب أمني، في ظل الإدعاء بحاجة الإسرائيليين إلى دولة بحدود تمكنهم الدفاع عنها”.
وبحسب بشير فإن ذلك البعد تحول هذه الأيام إلى ديني، على رغم أنه أشار إلى أن نتنياهو “شخصية انتهازية غير متدينة، ويستغل الخطاب الديني لمصالحه السياسية”، وأن الإسرائيليين يعبرون عن “المستوى الخيالي لطموحاتهم بالشعارات والرموز والأشعار، في ظل التفريق بين الخيال والمستوى الواقعي”.
وأوضح بشير أن “المستوى الخيالي سيعملون على تنفيذه إذا سمحت الظروف، فهم يريدون حدود العهد الإلهي، على رغم أنها غير واضحة، فالتوراة في النهاية ليست كتاباً جغرافياً”، لافتاً إلى أن الإسرائيليين وحتى اليساريين منهم “ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مركز الخليقة”.
خلافات بين التيارات الصهيونية
ومع ذلك فإن المحاضر الإسرائيلي في جامعة بار إيلان الإسرائيلية مردخاي كيدار أشار إلى “وجود خلافات بين التيارات الصهيونية بخصوص إسرائيل الكبرى على رغم إقراره بوجود نصوص تتحدث عن المنطقة من النيل إلى الفرات”، وأضاف أن الشريعة اليهودية في هذه القضية “ليست مبنية على النصوص التراثية، لكن على ما سيطر عليه اليهود في فلسطين قبل آلاف السنين من خلال مملكة يهودا وحتى خراب الهيكل الثاني في عام 70”.
“بعض الأسفار المقدسة تتحدث عن أماكن متفاوتة، هي أحلام وليست أموراً فعلية، لأن الشريعة اليهودية مبنية على السلطة الفعلية التي كانت في الأرض في المملكة الأولى والهيكل الأول والثاني”، وفق كيدار الذي أضاف أن اليهود “مطلوب منهم وفق الشريعة اليهودية بسط السيطرة على أراضي تلك المملكة الواقعة في فلسطين فقط”.
ونفى كيدار وجود أي أطماع لإسرائيل في الأردن أو سوريا أو لبنان أو مصر، “كل هذه الأقاويل دعاية عربية”.
بدوره، أشار المؤرخ الفلسطيني محمود محارب إلى أن “لجوء الحركة الصهيونية ثم إسرائيل لاستخدام الإرث الديني يأتي لتبرير الادعاء بإقامة إسرائيل الكبرى”، لكنه لفت إلى “وجود تيارات متفاوتة في شأن مساحتها، فهناك تيار يراها من النيل إلى الفرات، وتيار آخر يريدها أن تمتد من العريش في مصر إلى نهر الليطاني في جنوب لبنان مع مناطق واسعة تمتد إلى شرق الأردن”.
وتعود أسباب التفاوت وفق محارب للاختلافات في تفسير ما يقرأون، فهناك روايات توراتية لا تنتهي، لأن الحاخامات هم من كتبوا التوراة عدى الوصايا الـ10″، كما يرى أن الصهيونية تعمل على تجيير كل ما ورد في التوراة لمصالح سياسية، كأنه طابو لهم منحه لهم إله اليهود وليس الله، فكل قبيلة لها إله ويورث أرضاً لأتباعه”.
اندبندت عربية



