الاخبار

التطهير الروسي.. كيف تغير بوتين بعد تمرد فاغنر؟

في صباح 24 يونيو/حزيران 2023، وبينما كانت الحرب الروسية الأوكرانية مستمرة في استنزاف الجميع، استيقظت موسكو على حدث غير مسبوق: تمرد داخلي تقوده مجموعة فاغنر، الذراع العسكرية غير الرسمية للكرملين، بزعامة يفغيني بريغوجين.

فاغنر، التي لطالما حاربت في الظل، خرجت إلى الضوء هذه المرة. سيطرت على مدينة روستوف، ثم فورونيج، ووصلت قواتها إلى مشارف موسكو، مهددة بزلزال سياسي قد يغير وجه روسيا إلى الأبد.

لكن خلال ساعات، توقفت زحف الدبابات، وأُعلن اتفاق بوساطة رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، يقضي بمنح اللجوء لبريغوجين وإسقاط التهم عنه. تمرد بدا وكأنه وُئد في مهده، لكن تداعياته كانت أعمق بكثير مما بدا في البداية.

لم يكن انقلاباً… بل احتجاجاً داخلياً

في تسجيل لاحق، وصف بريغوجين ما جرى بأنه “مسيرة احتجاجية”، وليست انقلاباً، مشيراً إلى أن هدفه كان فضح فساد القيادة العسكرية الروسية، خاصة وزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف، دون المساس ببوتين نفسه.

المؤرخ الأميركي ألكسندر بيرنز شبّه تحرك بريغوجين بتمردات العصور الوسطى التي كانت تنتقد بطانة الحاكم لا الحاكم ذاته. وأعاد للأذهان ثورة الفلاحين الكاثوليك في إنجلترا عام 1536، حين اتهموا مستشاري الملك لا الملك نفسه، فكان مصيرهم الإعدام بعد الهدنة.

وفي أغسطس/آب من العام نفسه، سقطت طائرة تحمل بريغوجين وعدداً من قادة فاغنر، لتُطوى صفحة التمرد بشكل نهائي، ولكن بطريقة تعيد إلى الأذهان ذات النهاية التي ألمح إليها بيرنز.

فاغنر بعد بريغوجين: الدولة تسترجع السيطرة

وفاة بريغوجين لم تكن نهاية القصة، بل بداية إعادة ترتيب شامل. تم دمج وحدات فاغنر الناشطة في أوكرانيا ضمن وزارة الدفاع الروسية. أما في أفريقيا، فقد احتفظت فاغنر بنفوذها، ولكن تحت إدارة جديدة خاضعة مباشرة للكرملين.

بحسب تقارير “بي بي سي” و”ذي إيكونوميست”، فإن فاغنر اليوم لا تزال نشطة في جمهورية أفريقيا الوسطى، مع خطط لتوسيع قاعدتها العسكرية هناك إلى 10 آلاف مقاتل بحلول عام 2030. كما تشير المصادر إلى أن نجل بريغوجين نفسه يشرف على العمليات في الميدان.

النشاط الخارجي للمجموعة لم يعد فقط عسكرياً، بل اتخذ أبعاداً دبلوماسية، حيث تم توكيلها بمهام استراتيجية تخدم مصالح موسكو في القارة.

بوتين بعد التمرد: ضبط النظام بقبضة أقوى

رغم خطورة تمرد فاغنر، خرج فلاديمير بوتين منه أكثر تشدداً، وأكثر تركيزاً على تفكيك مراكز النفوذ داخل النظام الروسي. استغنى عن وزير الدفاع شويغو عام 2024، وعيّن بدلاً منه تكنوقراطياً خبيراً في الاقتصاد، في إشارة إلى رغبته في نزع الطابع العسكري الشخصي عن مؤسسات الدولة الحساسة.

كما شهدت روسيا موجة غير مسبوقة من الاعتقالات والتأميم. أكثر من 411 شركة صودرت، واعتُقل عدد من الجنرالات، وتم إقصاء شخصيات بارزة من النخبة السياسية والمالية، في عملية تهدف إلى إعادة ضبط التوازن داخل النظام الروسي.

هذه التغييرات دفعت مراقبين إلى وصف هذه المرحلة بـ**”البوتينية المتوحشة”**، حيث تتزايد الرقابة، وتضيق مساحات الحرية، وتتوسع أذرع الدولة لتشمل الإعلام، التعليم، وحتى القطاع الخاص.

تمرد كشف هشاشة الداخل الروسي

يرى محللون أن تمرد فاغنر لم يكن مجرد حدث عابر، بل كشف عن هشاشة التركيبة الأمنية والسياسية الروسية، وأظهر أن التهديد الأكبر لبوتين لا يأتي من الشارع أو المعارضة، بل من داخل النخبة الحاكمة نفسها.

فورين أفيرز اعتبرت أن ما جرى أعاد تشكيل خريطة الحكم في موسكو، حيث أصبح الولاء الشخصي لبوتين هو المعيار الأول للتقدم والنفوذ، وتم تحجيم أي شخصية قد تمثل تهديداً مستقبلياً، مهما كانت درجة قربها أو أهميتها.

خلاصة: ماذا غيّر تمرد فاغنر في روسيا؟

كشف عن أخطر ثغرة داخل النظام الروسي: تركيز السلطة والعتاد بيد فاعل غير رسمي.

دفع بوتين إلى إعادة ترتيب بيت الحكم، وتحجيم صلاحيات النخبة.

حوّل فاغنر إلى أداة بيد الدولة بدلاً من كيان موازٍ لها.

وسّع من نفوذ روسيا في أفريقيا، ولكن بسيطرة مركزية أكثر.

وإن كانت طائرة بريغوجين قد طوت صفحة الرجل، فإن آثار تمرده لا تزال تشكّل ملامح روسيا الجديدة، حيث تترسخ قبضة الدولة، وتضيق دوائر النفوذ، ويُعاد رسم النظام الروسي من الداخل، على وقع درس لن يُنسى.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى