أوقاف سوريا.. ثروة عقارية تحت أنقاض الفساد

في بلد يفترض أن تكون فيه الأوقاف ركيزة للعدالة الاجتماعية ودعماً للفقراء وتمويلاً للتعليم والخدمات الدينية، تكشف الوقائع في سوريا عن واحدة من أكبر قضايا الفساد المنظم التي طالت هذا القطاع الحيوي لعقود طويلة.
فمنذ ستينيات القرن الماضي، تحولت آلاف العقارات الوقفية في دمشق وحلب ومدن أخرى إلى مشاريع استثمارية خاصة بيد نافذين في النظام السابق، وسط غياب كامل للشفافية واحتكار ممنهج للمزايدات. وباتت وزارة الأوقاف، التي يفترض أن تكون حارسة للمال العام، أداة بيد السلطة التنفيذية، تُدار في الخفاء وتُستخدم لتمويل مصالح سياسية وشخصية.
وبحسب بيانات رسمية، يبلغ عدد العقارات الوقفية في سوريا نحو 33,700 عقار، موزعة بين حلب ودمشق وإدلب وباقي المحافظات. وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: الوقف الخيري، والوقف الذري، والوقف المشترك. لكن هذه التصنيفات بقيت حبراً على ورق، إذ جرى تفريغ مضمونها عبر عقود استثمار رمزية أُبرمت مع رجال أعمال مقربين من النظام، ما دفع السوريين إلى التوقف عن التبرع للأوقاف منذ منتصف الستينيات.
التحكم الكامل بالأوقاف لم يكن عشوائياً، بل تم عبر منظومة تشريعية مدروسة، أبرزها القانون رقم 31 لعام 2018، الذي منح وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة في التعاقد والاستثمار دون رقابة قضائية أو شفافية مالية. هذا القانون وغيره مكّن السلطة من تحويل الأوقاف إلى خزينة غير رسمية، تُدار بعيداً عن أعين المؤسسات الرقابية.
اليوم، ومع بداية مرحلة جديدة في سوريا، تحاول وزارة الأوقاف استعادة ما سُلب منها، وسط تحديات قانونية وإدارية ضخمة. ويكشف سامر بيرقدار، مدير أوقاف دمشق، عن شبكة فساد ضخمة كانت تدير هذا الملف لعقود، تضم أسماء بارزة من النظام السابق، بينهم بشار الأسد وزوجته أسماء ورجل الأعمال رامي مخلوف.
استعادة الثقة بمؤسسة الوقف في سوريا لن تكون مهمة سهلة، لكنها ضرورية لإعادة الاعتبار لدورها التاريخي في دعم المجتمع، بعد أن تحولت لعقود إلى أداة للثراء والنفوذ.
في واحدة من أكثر ملفات الفساد تعقيداً في سوريا، تكشف وزارة الأوقاف عن جهود حثيثة لتفكيك منظومة استغلال ممنهجة حوّلتها من مؤسسة اجتماعية إلى خزينة غير رسمية بيد النظام السابق. فبحسب معاون الوزير سامر بيرقدار، كانت الوزارة من أغنى الجهات الحكومية من حيث العقارات، لكنها الأكثر فقراً في الإيرادات، نتيجة شبكة فساد استخدمت الغطاء القانوني لتحويل ريع الوقف إلى مصالح خاصة.
القانون رقم 31 لعام 2018 منح وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة في إدارة العقارات الوقفية، التي لا تُعد ملكاً للدولة ولا للأفراد، رغم أن معظمها تبرعات من مواطنين هجّروا بسبب الحرب أو الملاحقات الأمنية. وتشمل هذه العقارات الجوامع والمدارس والمكتبات والمزارات، لكنها تحولت إلى أدوات للإثراء الشخصي عبر عقود إيجار رمزية ومزادات شكلية.
من أبرز الأمثلة، أرض وقفية قرب ساحة الأمويين في دمشق نُقلت إلى محافظة دمشق ثم وُضعت تحت تصرف شركة تابعة لأسماء الأسد، بعقد لا يتجاوز 60 ألف دولار لكل ستة أشهر، رغم أن قيمتها السوقية تصل إلى 320 ألف دولار. أما مجمع يلبغا، فقد شهد تقلبات في العقود بحسب النفوذ، حيث أُلغي عقد مع شركة خليجية بقيمة 5.5 ملايين دولار سنوياً، ليُعاد لاحقاً إلى مستثمر مقرّب من بشار الأسد بعقد لا يتجاوز 340 ألف دولار.
في إدلب، وبعد خروجها عن سيطرة النظام، ارتفعت الإيجارات الوقفية إلى قيمتها الحقيقية، وبلغت العائدات السنوية 2.4 مليون دولار، وهو رقم يفوق إجمالي إيرادات الوقف في سوريا قبل الثورة.
منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024، بدأت وزارة الأوقاف مرحلة جديدة من التصحيح، شملت استرجاع عقارات منهوبة وفسخ عقود مجحفة، أبرزها عقار تجاري في باب مصلى كان مؤجراً لأبناء عدنان الأسد بـ300 دولار سنوياً فقط. كما استعادت الوزارة مجمع يلبغا ومدينة الألعاب ووقف القطط قرب الجامع الأموي، وأطلقت صندوقاً مستقلاً لإدارة الاستثمارات الوقفية بعيداً عن التدخلات السياسية.
الوزارة باشرت أيضاً مراجعة شاملة لعقود الإيجار القديمة، وأعلنت عن فسخ عقد سينما الكندي في منطقة الصالحية، تمهيداً لتحويلها إلى مركز ثقافي يخدم شباب سوريا.
لكن الطريق نحو الإصلاح لا يخلو من العقبات، أبرزها غياب أرشيف منظم للعقارات الوقفية، واعتماد الوزارة على ملفات ورقية قديمة تعود لعقود مضت. كما تواجه الوزارة تحديات قانونية، منها قانون الإيجار الذي يكرّس “التمديد الحكمي”، ما يسمح للمستأجرين بالاحتفاظ بالعقارات إلى أجل غير مسمى.
في مواجهة هذه التحديات، أطلقت الوزارة خطة إصلاح شاملة تشمل أتمتة الأرشيف، إنشاء قاعدة بيانات مركزية بالتعاون مع الأرشيف العثماني، تعديل القوانين المعطلة، وتشكيل غرفة قضائية متخصصة لحل نزاعات الوقف. كما بدأت مخاطبة الجهات الحكومية لإخلاء العقارات الوقفية التي استولت عليها دون وجه حق، وفتحت باب التعاقد مع مكاتب محاماة لاسترجاع الأملاك المنهوبة.
الهدف النهائي هو إعادة الوقف إلى دوره الحقيقي كدعامة اجتماعية واقتصادية، بعيداً عن النفوذ السياسي، وبما يضمن الشفافية والحوكمة الرشيدة في إدارة ثروات البلاد الوقفية.
الجزيرة



