الاخبار

فواتير الانقسام.. سيناريوهات قاتمة تنتظر الاقتصاد السوري حال تعثر مفاوضات دمشق وقسد

في ظل المشهد السياسي المضطرب، يعيش الاقتصاد السوري واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ بداية الصراع. وبينما تبرز محاولات لإعادة توحيد البلاد، تواجه سوريا خطرًا حقيقيًا يتمثل في ترسيخ الانقسام إلى حد يصعب الرجوع عنه، مع انعكاسات مباشرة على الواقع المعيشي للمواطنين.

اتفاق هش بين دمشق وقسد… وأثره الاقتصادي

يأتي ذلك في وقت تشهد فيه المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تعثرًا واضحًا، بعد الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه في مارس الماضي لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية. لكن هذا الاتفاق، الذي يفترض أن يكون سياسيًا، يحمل في مضمونه أبعادًا اقتصادية بالغة الأهمية، خاصة في ظل حاجة دمشق الملحة لموارد الشمال الشرقي.

الاقتصاد السوري: أرقام كارثية ومؤشرات سلبية

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة 1.5% في عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو بنسبة لا تتجاوز 1% في 2025، في حال استمرت حالة الجمود السياسي والقيود المالية والمساعدات الدولية المحدودة.

في المقابل، يعيش أكثر من ثلثي السكان تحت خط الفقر، مع وصول معدلات البطالة إلى نحو 50%، ويعتمد حوالي 75% من السوريين على المساعدات الإنسانية، ما يعكس هشاشة البنية الاقتصادية وضعف الإنتاج المحلي.

الشمال الشرقي: قلب الاقتصاد السوري خارج السيطرة

يمثل شمال شرق سوريا مركز الثقل الاقتصادي، حيث يحتوي على أكثر من 90% من موارد النفط والغاز، فضلًا عن كونه سلة الغذاء الأساسية في البلاد. هذه المنطقة، الخاضعة لسيطرة قسد، تضم حقولًا رئيسية مثل العمر، التنك، الرميلان، كونيكو وغيرها، وتؤمّن حاليًا 92% من موازنة الإدارة الذاتية.

قبل الحرب، كان إنتاج سوريا من النفط يصل إلى 383 ألف برميل يوميًا، لكنه انخفض إلى ما بين 40 و100 ألف برميل فقط حاليًا، نتيجة العقوبات وتدهور البنية التحتية. وحتى محاولات دمشق للحصول على كميات محدودة من النفط من مناطق قسد، بدأت منذ فبراير 2025، ما زالت غير كافية ولا تمثل حلًا طويل الأمد.

القمح والزراعة: الأمن الغذائي مهدد

تواجه سوريا أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما أدى إلى انخفاض إنتاج القمح بنسبة تقارب 40%، ليصل إلى نحو 1.2 مليون طن فقط، في حين تحتاج البلاد إلى 3.9 ملايين طن سنويًا.

الاعتماد على مناطق الإدارة الذاتية في تأمين القمح يشكل تحديًا كبيرًا في ظل التوتر القائم، حيث فشلت دمشق في تأمين سوى 373,500 طن من الإنتاج المحلي، وتعتمد بشكل كبير على الاستيراد، دون اتفاقيات دولية واضحة لتغطية الفجوة الكبيرة.

أزمة كهرباء وطاقة: الحكومة في موقف حرج

تعتمد محطات الكهرباء السورية على الغاز بنسبة 55%، ومع سيطرة قسد على حقول الغاز، تضطر الحكومة إلى استيراده بتكاليف باهظة. يتسبب هذا الوضع في تقنين حاد للكهرباء، يصل إلى ساعتين فقط يوميًا في بعض المناطق، وسط تقارير تفيد بتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع أداء البنية الخدمية بشكل كارثي.

التجارة والمعابر: شرايين الاقتصاد على المحك

يُعد معبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق منفذًا حيويًا لتدفق السلع الأساسية إلى الشمال الشرقي. وأي إغلاق أو قيود على هذا المعبر تسبب في ارتفاع حاد في أسعار مواد البناء والوقود والأدوية، ما يجعل من استقرار هذا الخط الحيوي ضرورة اقتصادية قصوى.

اقتصاد الظل: الرابح الوحيد في بيئة الانقسام

في ظل تدهور سعر الصرف وغياب السياسات الموحدة، يستمر الاقتصاد غير الرسمي في النمو، مستفيدًا من التعدد المالي القائم بين الليرة السورية، الليرة التركية، والدولار في مختلف المناطق. هذا الانقسام يعمق الفوضى، ويغذي الفساد، ويمنع توحيد السوق الوطني.

تجدد القتال: أسوأ السيناريوهات الاقتصادية

إذا فشلت المفاوضات بين دمشق وقسد، فإن احتمالات التصعيد العسكري تزداد، خاصة مع التهديدات التركية المتكررة، والتعقيدات الأميركية في دعم الإدارة الذاتية. هذا التصعيد سيقود إلى تدمير البنى التحتية المتبقية، وتعطيل الإنتاج في حقول النفط، ووقف إمدادات الوقود، ما يرفع من أسعار السلع، ويهدد الأمن الغذائي والطاقة بشكل مباشر.

غياب الإعمار واستمرار العقوبات

رغم الأحاديث عن تخفيف العقوبات، إلا أن القوانين الأميركية مثل “قانون قيصر” لا تزال سارية، وإن بشكل مخفف، في حين أن الاتحاد الأوروبي لم يرفع عقوباته بشكل كامل. ويعني ذلك غياب الاستثمار الدولي، وتأجيل أي جهود جدية لإعادة الإعمار، التي قد تصل كلفتها إلى تريليون دولار، بحسب بعض التقديرات.

نحو تسويات اقتصادية؟ أم مزيد من الانقسام؟

يرى محللون أن دمشق، رغم تعثر المفاوضات، لا تملك خيارًا آخر سوى محاولة التوصل إلى تفاهمات مع قسد، ولو جزئيًا. إذ إن البدائل مكلفة، وغير مستدامة، وسط شح في الموارد المالية، وتدهور خطير في مستوى المعيشة.

كما أن الإدارة الذاتية، التي ترفع شعار أن مواردها لكل السوريين، قد تجد نفسها مضطرة لتقاسم العائدات مع دمشق للحفاظ على شرعيتها السياسية أمام سكانها، في ظل تنامي الضغوط الدولية والمحلية.

المخرج الوحيد: حوار وطني شامل

يحذر خبراء من أن استمرار الوضع الحالي ينذر بتقسيم فعلي لسوريا إلى كيانات متناحرة، مما يهدد وحدة البلاد ومستقبلها. ويرون أن الحل الوحيد يتمثل في إطلاق حوار وطني يجمع جميع الأطراف، ويؤسس لنظام سياسي واقتصادي موحد، يضع حدًا لحالة التشرذم والانهيار.

خلاصة:

إن استمرار الجمود بين دمشق وقسد لا يعني فقط تعثر الحل السياسي، بل يهدد بانهيار اقتصادي شامل. ومن دون تسوية تضمن تقاسم الموارد وإعادة توحيد المؤسسات، سيبقى الاقتصاد السوري رهينة الانقسام، والفقر، والفساد، والعقوبات.

إعادة بناء الاقتصاد لن تكون ممكنة إلا عبر مسار سياسي متكامل، يعيد الثقة للداخل والخارج، ويؤسس لحياة كريمة للمواطن السوري، بعيدًا عن دوامة الأزمات المتكررة.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى