الاخبار

بـ 10 مليون دولار.. كيف وقّع محافظ حلب مذكرة تفاهم مع منظمة غير موجودة؟

أعلنت محافظة حلب عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك عن توقيع مذكرة تفاهم كبيرة مع ما يُعرف بـ”المنظمة الدولية لحقوق الإنسان وشؤون اللاجئين” (IOHR)، بحضور محافظ حلب المهندس عزام غريب، وبرفقة محمد علي العزيز، المسؤول عن تسيير أعمال الوحدات الإدارية في المحافظة. وقد مثل المنظمة في التوقيع شخص يُدعى الدكتور مروان كنجو، والذي يحمل لقب “المفوض السامي للجمهورية العربية السورية”، في خطوة وُصفت بأنها تعاون دولي يهدف إلى دعم البنية التحتية في المدينة.

وجاء في إعلان المحافظة، الذي نشرته وسائل إعلام رسمية مثل قناة الإخبارية، أن قيمة الاتفاقية تبلغ 10 ملايين دولار مخصصة لتنفيذ مشاريع صيانة وتأهيل الطرق في حلب، وذلك ضمن جهود إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية في المدينة.

رغم تقديم الإعلان على أنه إنجاز دولي مهم، إلا أن التحقق من هوية المنظمة والشخصيات الممثلة لها أثار العديد من التساؤلات. فهذه المنظمة، التي تصر على تقديم نفسها كجهة دولية معنية بحقوق الإنسان واللاجئين، لا توجد لها أية سجلات معترف بها في المحافل الدولية أو الأمريكية. هذا الأمر دفع إلى البحث والتحقيق للكشف عن التفاصيل الحقيقية خلف هذه الخطوة.

بحسب ما ورد، فإن مروان كنجو، الذي ظهر ممثلاً للمنظمة في الصور والنصوص المصاحبة، معروف في مجال إدارة منظمات محلية مرتبطة بالنظام السوري، وكان قد حصل في 2018 على قلادة صداقة سورية-روسية تقديراً لجهوده في دعم ملف الشهداء والجرحى والمفقودين في سوريا. ما يفتح الباب أمام احتمال أن مذكرة التفاهم لا تعدو كونها اتفاقاً شكلياً مع كيان ورقي يُقدم على أنه “دولي” بهدف إضفاء نوع من الشرعية على مشاريع محلية.

المنظمة تُعرّف نفسها على موقعها الإلكتروني بـ”The International Organization for Human Rights and Refugee Affairs”، وتصف نفسها بأنها منظمة غير ربحية وغير حكومية مرخصة في الولايات المتحدة، وتعمل تحت مظلة المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي، مركزة على حماية حقوق الإنسان والدفاع عن اللاجئين. وتدعي وجود مكتب رسمي في الولايات المتحدة وتنظيم حملات تبرعات، لكن جميع هذه الادعاءات لا تتطابق مع الواقع؛ حيث لا يظهر لها أي وجود في قواعد بيانات مصلحة الضرائب الأمريكية أو في منصات التقييم المتخصصة، كما أنها غير مدرجة في سجلات الاتحاد الأوروبي.

التحقيقات أظهرت أن المنظمة كانت مسجلة في بريطانيا خلال يوليو 2023 بعنوان في أربيل – العراق، لكنها أُغلقت بعد أقل من عام. المدير المسجل كان ماجد الركبي، الذي يُقدم نفسه على موقع المنظمة كمفوض سامٍ للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما يضع الموقع شعارات منظمات دولية كالأمم المتحدة والصليب الأحمر، دون أي تعاون رسمي مثبت.

موقع المنظمة الإلكتروني ضعيف المحتوى ويعتمد على صور عشوائية، مع نطاق مسجل حديثاً عبر خدمة تخفي بيانات المالك، ويستضيفه مزود منخفض الكلفة مع تغيير متكرر لعنوان IP، مما يشير إلى غياب الاستقرار والجدية.

الرقم الأمريكي المعلن للاتصال تابع لشركة تقدم أرقاماً افتراضية، مع تصنيف عالي المخاطر، وهذا يبعد المنظمة عن صورة الجدية التي يفترض أن تتمتع بها منظمة دولية.

أما الشخصيات القيادية، فقد كشفت السجلات القضائية الأمريكية أن فريدريك شولمان، المدعو أمين عام المنظمة، مدان بتهم احتيال مالي ومخالفات قانونية أخرى، مما يضع مصداقيته القانونية موضع شك كبير.

أما ماجد الركبي، المفوض السامي للمنظمة، فهو يدعي حصوله على شهادة دكتوراه من جامعة أمريكية غير معترف بها رسمياً، مما يحول لقبه الأكاديمي إلى ادعاء مضلل.

الركبي أسس عدة كيانات غير ربحية في الولايات المتحدة وبريطانيا، كلها مسجلة بعناوين مكاتب افتراضية وبدون أي نشاط فعلي، وتم حل بعضها خلال فترة قصيرة، مما يؤكد اعتماد هذه الشبكة على واجهات ورقية فقط.

كما يُظهر الركبي نمطاً متكرراً من توزيع الألقاب والمنصب على أقاربه وأشخاص مرتبطين به، عبر تسجيلهم في منظمات وهمية تمنحهم ألقاباً دولية مثل “أمين” أو “مفوض”، ويدعي تعيين شخصيات عامة كسفراء للنوايا الحسنة من خلال كياناته، دون أي ارتباط رسمي بالجهات الدولية المعروفة.

وتتزامن هذه الأنشطة مع ارتباطات سياسية معلنة مع النظام السوري، حيث يستخدم الركبي مؤسساته الإعلامية في دعم خطاب النظام والترويج له، مع تقديم دعم مادي لجيش النظام، ما يجعل نشاطه غير منفصل عن الأجندة السياسية.

في النهاية، تثير مذكرة التفاهم المعلنة مع هذه المنظمة التي تبدو كياناً ورقياً مليئاً بالثغرات علامات استفهام كبيرة حول حقيقة هذا التعاون، ومدى جديته وشفافيته، وما إذا كان تم استغلال اسم دولي لإضفاء شرعية غير حقيقية على مشاريع محلية في حلب.

وقد تم توجيه أسئلة رسمية لمحافظة حلب للحصول على توضيحات بشأن هذه الاتفاقية، على أن يتم نشر أي رد يرد لاحقاً حفاظاً على الشفافية وتقديم وجهات النظر كافة.

تأكد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى