ملف السويداء السورية يحضر على الطاولة الدولية… ما خيارات الحل؟

شهد ملف محافظة السويداء تصعيداً سياسياً ملحوظاً خلال الساعات الماضية، عقب اجتماع عقد في العاصمة الفرنسية باريس، جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، والمبعوث الأمريكي توماس باراك، برعاية أمريكية. وقد تناول اللقاء ملف السويداء بهدف التوصل إلى صيغة توافقية ترضي الأطراف المعنية.
الكاتب والمحلل السياسي عهد مراد أوضح في تصريح لوكالة “سبوتنيك” أن المحادثات لم تسفر عن حلول جوهرية، بل اقتصرت على وضع آليات لإدارة النزاع، معتبراً أن ما يجري هو تثبيت لحالة من الجمود، قد تشهد تغييرات شكلية دون المساس بجوهر الأزمة، التي ترتبط بمصير سوريا ككل وليس بالسويداء وحدها.
وأشار مراد إلى أن التظاهرات التي شهدتها المحافظة مؤخراً عبّرت عن غضب شعبي واسع، احتجاجاً على الانتهاكات التي أودت بحياة مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وتسببت بتدمير قرى في ريفي السويداء الشمالي والغربي. وقد أثارت هذه الاحتجاجات جدلاً بعد أن رفع بعض المتظاهرين العلم الإسرائيلي، وهو ما فسّره مراد بأنه رد فعل غاضب وليس موقفاً سياسياً دائماً.
وأضاف أن شعوراً عميقاً بالمظلومية يسود بين سكان السويداء، نتيجة ما تعرضوا له من عنف طائفي دون حماية كافية من الحكومة أو تضامن شعبي من باقي السوريين. هذا الإحساس بالخذلان دفع بعض الأصوات إلى طرح خيارات مثل الانفصال أو الخروج من المعادلة الوطنية، في ظل غياب الدعم والتصديق لقضيتهم.
وأوضح مراد أن الرفض الشعبي للنظام في السويداء شبه جماعي، لكنه لا يترافق مع إجماع حول شكل هذا الرفض، سواء باتجاه الفيدرالية أو اللامركزية أو الاستقلال التام. ورأى أن خيار الفيدرالية قد يكون الأكثر واقعية، في ظل غياب مقومات الاستقلال الكامل، واستمرار الأزمة مع السلطة المركزية.
وأكد أن الحل الأمثل يكمن في تطبيق القرار الأممي 2254، والانتقال إلى دولة لا مركزية تتيح لجميع المكونات إدارة شؤونها بحرية وعدالة، معتبراً أن هذا النموذج هو الأقرب لتحقيق الاستقرار.
وحذّر مراد من أن التدخلات الإقليمية والدولية المتزايدة في ملف السويداء تشير إلى أن الأزمة لا تزال في بدايتها، وما جرى حتى الآن لا يمثل سوى الجزء الظاهر من المشكلة، فيما يبقى الانفجار الأكبر مرهوناً بمعالجة جذور النزاع ووقف التجاذبات الخارجية.
من جانبه، قال المحامي إبراهيم الأحمد إن التأخر في معالجة أزمات السويداء، واللجوء إلى الحصار والعقاب الجماعي، خلق فراغاً أمنياً وإنسانياً دفع بعض القوى المحلية إلى التلويح برفع العلم الإسرائيلي، وهو ما منح تل أبيب فرصة لتقديم نفسها كملاذ إنساني بديل.
وأضاف أن التجارب السابقة، مثل استقبال إسرائيل لمقاتلين جرحى وفتح ممرات إنسانية، عززت لدى بعض السوريين انطباعاً بأنها قادرة على التدخل حين تعجز دمشق، ومع رفع العلم الإسرائيلي في السويداء، تحولت هذه الرمزية إلى رسالة سياسية مباشرة تعزز حضور إسرائيل في أي معادلة تفاوضية.
وأشار إلى أن فشل الوساطات الإقليمية، مثل اجتماعات عمان، زاد من عزلة أهالي السويداء، وأضعف الدور العربي، مقابل بروز إسرائيل كلاعب نشط يستثمر الوضع كورقة ضغط مزدوجة على دمشق وعلى المجتمع الدولي.
وأكد الأحمد أن ما يحدث في السويداء يتجاوز حدودها، ويعكس هشاشة العقد الاجتماعي السوري، الذي يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية بيد أطراف خارجية. ودعا الحكومة السورية إلى اتخاذ خطوات عاجلة تبدأ بفك الحصار وتأمين الاحتياجات الأساسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بإشراف جهات محايدة، لإعادة جزء من الثقة المفقودة.
وشدد على ضرورة عقد حوار وطني شامل يضم جميع المكونات السورية، من السويداء ودرعا إلى قسد والمعارضة، بهدف صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن مشاركة الجميع في القرار، ويمنع تكرار الإقصاء.
كما طالب باعتماد نظام حكم لا مركزي تشاركي، يسمح لكل منطقة بإدارة شؤونها ضمن إطار الدولة، مع إعادة بناء الثقة عبر خطوات عملية تشمل إشراك الممثلين المحليين في صنع القرار، وتوزيع الموارد بشفافية، وإصلاح قضائي يضمن العدالة، إلى جانب ضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاقات مستقبلية.
تجدر الإشارة إلى أن السويداء شهدت الشهر الماضي هجوماً واسعاً نفذته مجموعات عشائرية، أسفر عن تدمير أكثر من 30 قرية وتهجير سكانها، إضافة إلى سقوط مئات القتلى والجرحى. وقد أعلنت الحكومة السورية الانتقالية تشكيل لجنة تحقيق للنظر في الانتهاكات، وتعهدت بمحاسبة المسؤولين.
وفي 19 يوليو/تموز، أعلنت الرئاسة السورية وقفاً شاملاً لإطلاق النار في السويداء، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام الكامل بالقرار، ووقف الأعمال القتالية، وضمان حماية المدنيين وتأمين المساعدات الإنسانية دون عوائق.
سبوتنيك عربي



