سورية بلا مزارع بحرية.. الاستزراع السمكي يغرق بين الإهمال وضعف التخطيط

رغم امتلاك سورية ساحلاً بطول 183 كم ومساحة جرف قاري تصل إلى 1160 كم²، لا يزال الاستثمار في الثروة السمكية البحرية محدوداً للغاية.
إذ لم يتجاوز إنتاج الأسماك عام 2024 حاجز 10,085 طناً، منها فقط 185 طناً من البحر، بينما يعتمد الإنتاج بشكل أساسي على الصيد في المياه العذبة والمزارع النهرية.
الاستزراع السمكي: الفرصة الضائعة
يعرف الاستزراع السمكي بأنه تربية الأسماك في بيئة مدروسة تسمح لها بالنمو والتكاثر، ثم حصادها وفق آلية منظمة تحقق استدامة الإنتاج.
ورغم أن هذا الأسلوب يمثل الحل الأمثل لزيادة المعروض من الأسماك وخفض الأسعار، إلا أن التجارب في سورية بقيت محدودة.
عام 2021، منحت الهيئة العامة للثروة السمكية ستة تراخيص مبدئية لمزارع بحرية، نصفها عائمة في البحر ونصفها شاطئية.
أحد هذه المشاريع أُطلق قرب مدينة جبلة على مساحة 33 دونماً بطاقة إنتاجية تصل إلى 400 طن سنوياً، لكنه لم يحقق الانطلاقة المرجوة.
والأسوأ أن الهيئة لم تعلن حتى الآن عن نتائج ملموسة أو أرقام إنتاج فعلية.
أصوات الصيادين: مشاريع متعثرة
رئيس جمعية الصيادين في اللاذقية نبيل فحام أكد أن الاستزراع البحري قادر على تحسين الإنتاج وخفض الأسعار وتوفير فرص عمل، إذ تحتاج كل مزرعة إلى نحو 40 عاملاً.
لكنه أشار إلى أن مشروعاً في منطقة برج إسلام لم يُستكمل حتى الآن، رغم تجهيز الأحواض.
وأضاف أن تجربة الأقفاص العائمة في صنوبر جبلة كانت واعدة، مشدداً على أن الملوحة المعتدلة ووفرة الغذاء توفر بيئة مثالية لنجاح الاستزراع، شرط دعم التمويل ومنح قروض حقيقية للمستثمرين.
رؤية اقتصادية: قيمة مضافة مهملة
الخبير الاقتصادي رامز درويش يرى أن مشاريع التربية السمكية تحقق جدوى اقتصادية أعلى من التركيز الحالي على المنتجعات السياحية.
فهي مشاريع إنتاجية دائمة على مدار العام، قادرة على امتصاص البطالة، واستثمار المعدات الثقيلة، وتأمين موارد مالية عبر التصدير وجلب القطع الأجنبي. كما أنها تساهم في استقرار الأسعار محلياً من خلال تعزيز العرض في السوق.
باحثون: الحاجة إلى أقفاص ومفرخات
الباحث في المعهد العالي للبحوث البحرية أمير إبراهيم أكد أن تطوير الناتج البحري يتطلب إنشاء مفرخات لتأمين الأصبعيات ومعامل لإنتاج الأعلاف البحرية، إلى جانب نشر الحيود الاصطناعية على امتداد الساحل لتوفير بيئة للتفريخ.
كما شدد على ضرورة تفعيل المزرعة البحثية في الشاطئ الأزرق لتطوير تقانات الاستزراع وضبط قوانين الصيد.
غياب المزارع البحرية.. والفرص الضائعة
من جانبها، أوضحت الدكتورة معينة بدران، المتخصصة في بيولوجيا وتربية الأسماك، أن سورية لا تمتلك حتى الآن مزرعة بحرية حقيقية، وكل ما نُفذ مجرد تجارب محدودة.
وبينت أن تجهيزات مركز أبحاث السن لم تُستخدم رغم استكمالها منذ خمس سنوات، بينما توقفت بعض المزارع التي حصلت على تراخيص عام 2024 بعد عام واحد فقط.
وأكدت بدران أن الأسماك البحرية تتفوق غذائياً على أسماك المياه العذبة لاحتوائها على أحماض أوميغا 3 (EPA, DHA) التي تقي من الأمراض القلبية والعصبية والعضلية، وهو ما يمنح الاستزراع البحري قيمة صحية واقتصادية مضافة.
لكنها شددت على أن نجاح أي مشروع يتطلب تقنيات تفريخ متطورة، وإيفاد باحثين إلى دول رائدة كتركيا ومصر، أو استقطاب خبراء مختصين.
معوقات أساسية: الأعلاف والتكاليف
أكبر التحديات التي تواجه الاستزراع البحري في سورية هو ارتفاع أسعار الأعلاف. فبينما كان سعر مسحوق السمك قبل 2011 لا يتجاوز 40 ليرة للكيلوغرام، قفز اليوم إلى أكثر من 100 ألف ليرة، ما جعل إطلاق المزارع البحرية شبه مستحيل.
وترى بدران أن توفير أعلاف محلية وإعادة زراعة كسبة الصويا قد يخفف من هذه العقبة.
خلاصة:
رغم المقومات الطبيعية المثالية، يبقى قطاع الاستزراع البحري في سوريا غارقاً في الإهمال وضعف التخطيط.
وبينما تستثمر الدول المجاورة في مزارع الأقفاص ومفرخات حديثة، لا تزال المشاريع السورية متعثرة، تاركة ثروة بحرية هائلة بلا استغلال حقيقي.
الثورة



