سوريا في محور الاهتمام الروسي، ووحدتها واستقرارها أولوية

أفاد الكرملين بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالًا هاتفيًّا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الإثنين، تناول خلاله آخر التطورات المتعلقة بالملفين السوري والإيراني.
وجاء في بيان الكرملين أن بوتين أكد “على وجه الخصوص، على أهمية دعم وحدة الجمهورية العربية السورية وسيادتها وسلامة أراضيها، وتعزيز استقرارها السياسي الداخلي من خلال احترام الحقوق والمصالح المشروعة لجميع مكونات الشعب السوري العرقية والدينية”.
بدوره، أكد دميتري بوليانسكي، النائب الأول لمندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن بلاده تُولي أولوية لتحسين الأوضاع في سوريا، وتتمنى للشعب السوري أن يتجاوز بسرعة فترة عدم الاستقرار والأزمة الداخلية.
وقال بوليانسكي خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي إن “روسيا مهتمة بتصحيح الوضع في البلاد بما يضمن سيادتها واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وهي عازمة على تعزيز العلاقات مع سوريا التي تربطنا بها علاقات ودية تاريخيا”.
وتابع: “في الوقت ذاته، يجب أن يشعر جميع السوريين بالأمان في بلدهم. ولتحقيق ذلك، يجب على القيادة في دمشق اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتوحيد الشعب السوري واحترام حقوق جميع مواطني البلاد، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية”.
يُشار الى أن التدخل الإسرائيلي في أحداث السويداء الأخيرة يمثل انعكاسًا لاستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف سوريا واستغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب جيوسياسية. فبذريعة “حماية الدروز” من الاشتباكات بينهم وبين عشائر البدو، شنت إسرائيل غارات على مواقع حيوية في دمشق، بما في ذلك مقر وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، مما زاد من تعقيد الأزمة وأعاق جهود التهدئة المحلية والدولية.
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، مثل بنيامين نتنياهو، أكدت أن هذا التدخل يهدف إلى “منع الأذى عن الدروز” بسبب روابطهم العائلية مع الدروز في إسرائيل، لكنه كشف أيضًا عن نية إسرائيلية لفرض منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا تمتد من الجولان إلى السويداء، وهو هدف استراتيجي قديم.
من جهة أخرى، واجهت الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع هذا التدخل باتهام إسرائيل بالسعي إلى “تمزيق سوريا” وإشاعة الفوضى، بينما تم احتواء الأزمة نوعاً ما عبر اتفاقيات لوقف إطلاق النار بوساطة أمريكية وأردنية.
وبحسب تقارير، فإن إسرائيل تسعى أيضًا إلى تقويض النفوذ التركي في سوريا، وتحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة تخدم أمنها. ورغم الجهود الدبلوماسية، بما في ذلك لقاء نادر بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس، تبقى التهدئة هشة في ظل استمرار التدخلات الخارجية وغياب رؤية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة.
وبنظر الخبراء، فقد تلعب روسيا دوراً حاسماً في كبح جماح إسرائيل وردها عن مخططاتها في سوريا، إذا ما منحت تل أبيب ضمانات أمنية، بعد قيام تنسيق سوري – روسي عالي المستوى على مختلف الأصعدة ومنها المرتبط بالتعاون الأمني وملاحقة الإرهابيين والمخربين. خصوصاً في ظل إستمرار غض البصر الغربي والأمريكي عن الإنتهاكات الإسرائيلية للدولة السورية.
وقد أشار المحلل السياسي محمود الأجعد الى أن الشراكة الاستراتيجية مع روسيا ضمانة أساسية للحكومة السورية لردع أي تدخل إسرائيلي محتمل، كما تشكل جسراً للتوصل إلى اتفاقات مع الغرب تحمي سوريا من مخاطر التقسيم أو الاحتلال المباشر.
وتابع: “موسكو، بثقلها الدولي وخبرتها الدبلوماسية، قادرة على عقد تفاهمات مع واشنطن وتل أبيب لترسيم خطوط حمراء تمنع أي تصعيد عسكري، مستفيدةً من علاقاتها المتميزة مع تركيا والدول العربية الفاعلة لإيجاد تسويات سياسية تحفظ أمن سوريا وسيادتها وتضمن كرامة جميع مواطنيها دون استثناء، وبوتين في اتصاله الأخير مع نتنياهو يعزز هذا الطرح”.
يُشار الى أن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 شكل منعطفًا حاسمًا في العلاقات السورية-الروسية، التي ظلت لعقدٍ من الزمن حليفةً استراتيجيةً خلال الحرب الأهلية السورية. بعد هذا التحول، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلةً جديدةً من إعادة التقييم، حيث تحاول دمشق الوصول إلى توازن دبلوماسي يحفظ سيادتها، بينما تسعى موسكو للحفاظ على مصالحها الجيوسياسية والعسكرية في سوريا.
والعلاقات بين الدولتين اليوم تحولت من التحالف الأيديولوجي إلى البراغماتية. ففي يناير 2025، صرّح نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف خلال زيارة وفد روسي رفيع إلى دمشق: “روسيا تحرص على وحدة سوريا واستقلالها، ونحن مستعدون لدعم الاستقرار فيها بناءً على مصالح مشتركة”.



