بعد 80 عاما على التأسيس.. ما هو الجيش السوري بعد الثورة؟

تمر الذكرى الثمانون لتأسيس الجيش العربي السوري في وقت يواجه فيه تحديات كبيرة، وسط أجواء سياسية غير مستقرة وتطورات أمنية معقدة. الجيش اليوم يسعى لإعادة بناء نفسه وتحديث بنيته في مواجهة تهديدات محلية وإقليمية، خاصة بعد صراعاته مع فصائل ذات خلفيات جهادية شاركت في معارك دموية في الساحل والسويداء. ويضاف إلى ذلك الانقسامات الوطنية التي تحمل أبعادًا مذهبية وقومية، مع وجود قوى مثل الأكراد في الشمال الشرقي، الذين باتوا أكثر تنظيماً وتسليحاً، في ظل ضعف الجيش الذي تضرر بشدة بفعل التدمير الإسرائيلي لمكوناته العسكرية التي تراكمت على مدى عقود.
أسئلة مهمة حول مستقبل الجيش السوري
هل سيتمكن الجيش السوري الجديد من صياغة عقيدة وطنية واضحة تجمع كل المكونات؟ وهل سيفتح أبوابه لجميع مكونات المجتمع السوري دون تمييز؟ من سيكون العدو الحقيقي الذي سيواجهه في بياناته وتعبئته اليومية؟ وكيف ستتعامل السياسة العسكرية مع وجود إسرائيل وإيران على الساحة؟ وهل سيعود الضباط المنشقون الذين لم يتلوثوا بالدماء إلى صفوف الجيش، أم ستظل تسمية “الفلول” تطاردهم رغم أن عددهم يناهز ربع مليون مقاتل؟ وما هي الدول التي ستدعم دمشق في إعادة بناء جيشها؟ وهل ستبقى موسكو المورد الأساسي للسلاح أم ستلجأ دمشق إلى دعم غربي أو حتى تركي في هذا المجال؟
خطوات إعادة الهيكلة
وزارة الدفاع السورية كشفت مؤخراً عن خطة شاملة لإعادة هيكلة الجيش ليصبح قوة احترافية تواكب متطلبات العصر، وتحافظ على السيادة الوطنية. من أبرز محاور الخطة إلغاء التجنيد الإجباري، واستقطاب الكفاءات الشابة، وتعزيز التعاون العسكري الدولي. وتسعى الخطة إلى تنظيم هيكل الجيش بشكل يركز على الكفاءة والاحترافية والقدرة الدفاعية.
جيش يحمى الوطن والشعب
الخبير السياسي أحمد طعمة يرى أن السلطة الانتقالية بدأت تحرك ملفات دمج الفصائل المسلحة تحت راية وزارة الدفاع، لإنهاء انقساماتها وإعادة ترتيب الجيش. ويشير إلى أن إلغاء التجنيد الإجباري خطوة مهمة نحو بناء جيش تطوعي محترف يؤمن بالقضية الوطنية، ويعتمد على تدريب حديث وتقنيات متطورة، مع ربط الترقيات بالكفاءة والقدرة على التخطيط الاستراتيجي.
ويضيف طعمة أن القيادة الجديدة تولي أهمية كبيرة لاستقطاب أصحاب الاختصاصات في المجالات العسكرية والتكنولوجية، كما تبحث عن شراكات مع دول دعمت الفصائل المعارضة سابقاً، مع احتمال الاستفادة من خبرات أمريكية في حال تحسن العلاقات مع الغرب.
العقيدة العسكرية: حماية الحدود أم النزاعات الداخلية؟
من جهته، المفكر السوري الكردي جمال حمو يعتقد أن مهمة الجيش يجب أن تقتصر على الدفاع عن البلاد وحدودها، دون التدخل في الصراعات الداخلية التي قد تحوّله إلى أداة خدمة للسلطة بدلاً من الوطن. ويرى أن انتهاكات الجيش في مناطق مثل الساحل والسويداء خلقت شكوكا حول مدى حياديته الوطنية، وأثارت قلقاً من احتمال تصاعد التوترات مع المكونات الكردية في الشمال الشرقي، خصوصاً مع الدعم العسكري الذي يتلقاه هذا المكون من الولايات المتحدة وفرنسا وبعض دول الخليج.
الضباط المنشقون: هل لهم مكان في الجيش الجديد؟
يروي العميد أحمد، أحد ضباط الجيش السوري المنشقين الذين شاركوا في الثورة، عن تجربته في التهميش والإقصاء رغم جهودهم وتضحياتهم. يشير إلى أن الجيش الجديد يبدو اليوم محكوماً بفصائل جهادية تتجاوز العقلاء في الثورة، ويتساءل عن ولاء الضباط الأجانب والقادة الذين حصلوا على مناصب رفيعة. ويعبّر عن خيبة أمل كبيرة من تهميش من حملوا السلاح للدفاع عن الثورة من أبناء الوطن الحقيقيين.
من هو العدو في العقيدة الجديدة؟
محلل عسكري سوري يشير إلى أن الجيش قد يتخلى عن عدائه التقليدي لإسرائيل، ويعيد صياغة مفهوم العدو في سياق جديد يراعي تقارب سوريا مع الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة، التي تسعى لتقليل التوترات في المنطقة. ويرى أن دمشق قد تستمر في الاعتماد على موسكو كمورد رئيسي للسلاح، خصوصاً بعد تدمير القوات الإسرائيلية للأسلحة الثقيلة والبنية التحتية العسكرية السورية.
ويضيف أن العودة إلى توريد السلاح الروسي قد تكون ضرورية لمواجهة الضغوط الأمريكية والغربية، مستشهداً بحرب أكتوبر 1973 كمثال على قدرة الجيوش العربية على الصمود بدعم روسي متين.
ختاماً
زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة إلى موسكو، تعكس بوضوح رغبة دمشق في إعادة ترميم علاقاتها الأمنية والعسكرية مع روسيا، مما يشير إلى محاولة موازنة النفوذ الدولي بين موسكو وواشنطن في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة. هذه الخطوات توضح أن إعادة بناء الجيش السوري ليست مجرد مسألة عسكرية فحسب، بل استراتيجية سياسية تسعى لضمان استقرار الدولة وتحقيق مصالحها الوطنية في بيئة إقليمية ودولية معقدة.
روسيا اليوم



