الاخبار

توقيت حساس.. لماذا توجهت السلطات السورية الجديدة بوفد رفيع إلى روسيا؟

شهدت سوريا في الآونة الأخيرة تطورات متسارعة، خصوصًا مع تصاعد موجة العنف الدامي في الجنوب السوري الذي طال الطائفة الدرزية، ما أثار ردود فعل دولية وإقليمية واسعة، خاصة إدانات المجتمع الدولي لما ارتكبته ميليشيات متطرفة تابعة للحكومة السورية الانتقالية. في ظل هذه الأوضاع، اتجهت السلطة الانتقالية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع نحو تعزيز علاقاتها مع روسيا، في خطوة تكتيكية تهدف إلى البحث عن حليف قوي يمكن الاعتماد عليه، بعدما فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية بشكل فعّال، خاصة مع استمرار العنف الطائفي وعجزها عن الوفاء بتعهداتها أمام الغرب والولايات المتحدة لبناء نظام ديمقراطي يضمن حقوق التعددية والمواطنة.

جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو ولقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي وصف بـ”التاريخي”، متزامنة مع أحداث العنف ضد الدروز التي أعادت للأذهان مآسي العلويين السابقة، مما أبرز تراجع شرعية السلطة الانتقالية وضعف الآمال في انفصالها عن إرث العنف والميليشيات. هذا المشهد كشف عن الحاجة الملحة لبناء مؤسسات وطنية تحترم التنوع وتعزز قيم الديمقراطية.

الإعلام الرسمي في دمشق حاول التمييز بين هذه المرحلة وما عرفتها حقبة حكم الأسد، التي شهدت تبعية شبه كاملة لروسيا وإيران، مؤكداً أن التفاهمات الجديدة بين البلدين تقوم على احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وبداية “مرحلة جديدة” في العلاقات السياسية والعسكرية. وأكد بوتين رفض روسيا لأي تدخلات إسرائيلية أو محاولات لتقسيم سوريا، مع تأكيد دعم موسكو لإعادة الإعمار واستقرار البلاد. من جهته، شدد الشيباني على أهمية تصحيح العلاقات مع روسيا على أساس مصلحة الشعب السوري، وضرورة معالجة إرث النظام السابق سياسياً وبنيوياً بما يخدم مستقبل سوريا.

هذه الرسائل التي صدرت من موسكو تحمل أبعاداً سياسية واضحة، فهي بمثابة تهدئة للأطراف الغربية والولايات المتحدة، مع التأكيد على أن العلاقة الجديدة مع روسيا ستكون مبنية على مصالح متوازنة، بعيدة عن تبعية الماضي، وفي نفس الوقت تشكل اختبارًا للسلطة الانتقالية في محاولتها تنويع علاقاتها الخارجية وخلق هامش مناورة بعيداً عن ضغوط الأطراف السياسية المختلفة. ما يعكس أزمة داخلية تعاني منها السلطة التي لا تزال في طور التشكيل، وتبحث عن دعم خارجي لتعزيز نفوذها بدل التركيز على بناء مؤسسات مدنية ديمقراطية شاملة.

خلال المؤتمر الصحفي في موسكو، أكد الشيباني وجود فرص كبيرة لسوريا موحدة وقوية، معرباً عن أمله في دعم روسي شامل يسهم في دعم العدالة الانتقالية. كما شدد على رغبة سوريا في فتح صفحة جديدة من العلاقات المبنية على الاحترام والتعاون، وأشار إلى اتفاق البلدين على تشكيل لجان لمراجعة الاتفاقيات السابقة، مؤكداً أن سوريا لا تسعى لمواقف عدائية تجاه إسرائيل، وأنها ترفض تقسيم المجتمع السوري إلى أكثرية وأقلية.

في المقابل، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعم موسكو لوحدة سوريا، وانتقد تدخلات إسرائيل، مطالباً برفع كافة العقوبات المفروضة على سوريا، ومشيداً بخطوات واشنطن بهذا الاتجاه. كما دعا الشرع للمشاركة في القمة الروسية-العربية المزمع عقدها في موسكو في أكتوبر القادم.

يبدو المشهد الحالي في السياسة الخارجية السورية بمثابة محاولة لإعادة ترتيب الأوراق وبناء تحالفات جديدة، مع بروز دور موسكو كشريك رئيسي وفعال دون أن تعود إلى أسلوب الوصاية السابقة، بل ضمن تفاهمات جديدة تستند إلى مصالح مشتركة. في ظل التصعيد العسكري والانقسام السياسي الذي تعيشه سوريا بعد مجازر الساحل والسويداء، توجه وفد رفيع من دمشق إلى موسكو ضم وزير الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات، وأمين عام رئاسة الجمهورية، ما يعكس ترابطاً وثيقاً بين الملفات السياسية والعسكرية، مع بقاء ملف القواعد الروسية في سوريا على رأس الأولويات لأي مفاوضات مستقبلية.

الحل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى