السوريون ينقسمون حول زياد الرحباني

لا يزال موقف الفنان اللبناني الراحل زياد الرحباني من الثورة السورية مثاراً للجدل والانقسام بين الأوساط الثقافية والجمهور السوري، حيث رأى فيه كثيرون تناقضاً صارخاً مع الإرث الفني الثوري الذي مثّله طوال عقود، من خلال مسرحه السياسي ونقده الحاد للسلطة والاستبداد في العالم العربي.
بين الحب الفني وخيبة الأمل السياسية
بالنسبة لشريحة كبيرة من السوريين، مثّل زياد الرحباني رمزاً فنياً استثنائياً، عبّر من خلال أعماله عن هموم الناس اليومية، وانتقد الأنظمة السياسية بلغة فنية جريئة ومباشرة. لكن موقفه الداعم – أو غير المعارض بشكل صريح – للنظام السوري خلال الثورة، شكّل صدمة عاطفية وجماهيرية لمحبّيه، الذين توقعوا منه موقفاً مختلفاً يتماشى مع القيم التي طالما عبّر عنها.
يرى بعض هؤلاء أن الرحباني خذل جمهوراً تربّى على موسيقاه ومسرحه، حين أبدى تحفظاً تجاه ما وصفه بـ”أصولية الثورة”، مشككاً في نواياها ومدى استقلاليتها عن التأثيرات الخارجية. هذا الموقف جعل البعض يذهب بعيداً، متّهماً إياه بـ”شرعنة الاستبداد”، في تناقض مع صورته كفنان يساري تقدّمي طالما وقف ضد القمع السياسي.
تاريخه في سوريا: شعبية فنية وعلاقة معقدة
عرف زياد الرحباني في سوريا منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت تسجيلاته تُباع وتُتداول رغم الرقابة الأمنية، ما منحه قاعدة جماهيرية كبيرة في بلد كان فيه الحديث عن الديمقراطية والحرية يُعدّ من المحظورات. وسبق أن أحيا عدداً من الحفلات الجماهيرية في قلعة دمشق، واستُضيف في برامج تلفزيونية سورية من بينها لقاء شهير مع الفنان بسام كوسا، فيما اعتبره البعض “حواراً بين العباقرة”.
غير أن هذا التاريخ، وفق منتقديه، لم يشفع له عند اندلاع الثورة السورية، خاصة بعد أن وُظفت حفلاته ومواقفه إعلامياً من قبل بعض الأطراف لتلميع صورة النظام.
مؤيدون: فنان مستقل، لا تابع
في المقابل، يرى مدافعون عن زياد الرحباني أن تقييمه للثورات العربية، ومنها السورية، انطلق من موقف نقدي مستقل، لا يخضع للضغوط الشعبوية أو الاصطفافات الطائفية. وبالنسبة لهؤلاء، فإن زياد ظل وفياً لقيم اليسار التحرري، ورفض الانجرار وراء ما رآه محاولات “لتجيير معاناة الشعوب” لصالح أجندات دولية مشبوهة.
كما يعتبر البعض أن الرحباني، رغم تحفظه على بعض الثورات، لم يكن جزءاً من منظومة الاستبداد، ولم “يؤجر فنه” للسلطة، بدليل مواقفه النقدية المتكررة من سلوك الأنظمة في لبنان وسوريا على حد سواء.
انقسام على مواقع التواصل
مع رحيل زياد الرحباني، عادت هذه النقاشات إلى الواجهة، حيث انقسم السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي بين من اعتبره فنان الشعب الذي خذل ثورته، وبين من رأى فيه فناناً مبدعاً يجب فصل إرثه الفني عن مواقفه السياسية.
ففي حين قال كثيرون: “خاب أملنا فيك يا زياد، لكننا لا نستطيع أن نكره فنك”, ذهب آخرون للدفاع عن الرجل، مشيرين إلى أنه لو أراد بيع نفسه لكان وجد من يدفع له أكثر بكثير من النظام السوري.
تقييم المستقبل: هل كان ثائراً أم فناناً متردداً؟
يبقى الحكم النهائي على موقف زياد الرحباني من الثورة السورية مرهوناً بمرور الزمن وتبدّد الآلام، فالسوريون اليوم ما زالوا يرزحون تحت وطأة الحرب والخذلان السياسي. ومع تجاوز هذه المرحلة، قد تعاد قراءة مواقفه في سياق أوسع، يفرّق بين الانحياز السياسي المؤقت والرؤية الفنية العميقة.
وفي النهاية، سواء كان زياد الرحباني فناناً بثوب ثائر أو ثائراً بثوب فنان، فقد ظل رقماً صعباً في تاريخ الثقافة العربية، وأيقونة فنية قلّما يجود الزمان بمثلها.
روسيا اليوم



