“تصدع شنغن”.. هل باتت حرية التنقل في أوروبا على المحك؟

أثار قرار بولندا بفرض قيود مؤقتة على حدودها مع كل من ألمانيا وليتوانيا موجة من ردود الفعل في الأوساط الأوروبية، حيث اعتبر عدد من الخبراء الفرنسيين أن الخطوة تعكس أزمة ثقة متنامية داخل الفضاء الأوروبي المشترك، وتعيد تسليط الضوء على هشاشة اتفاقية شنغن في ظل التحديات الراهنة.
ودخلت الإجراءات البولندية حيّز التنفيذ يوم الاثنين، وتشمل إقامة 52 نقطة تفتيش على الحدود مع ألمانيا، و13 نقطة على الحدود مع ليتوانيا، مع إجراء عمليات تفتيش عشوائية تستهدف المركبات التي تقل أكثر من راكب، بحسب ما أعلنته السلطات البولندية. ووفق المسؤولين، ستستمر هذه الإجراءات مبدئياً حتى 5 أغسطس/آب، مع احتمال تمديدها لاحقاً.
خطوة تهدف للحد من الهجرة غير الشرعية
الحكومة البولندية، بقيادة رئيس الوزراء دونالد توسك، أكدت أن الإجراءات تهدف إلى التصدي لموجات الهجرة غير النظامية، مشيرة إلى أنها تأتي في سياق جهود لحماية الأمن القومي وضبط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
لكن هذه الخطوة أثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل منطقة شنغن، التي تقوم على مبدأ حرية التنقل دون حدود داخلية بين الدول الأعضاء. ووصفت صحيفة لوفيغارو الفرنسية ما يجري بأنه “أزمة جديدة تضرب فضاء شنغن”، في حين اعتبرت فرانس 24 أن الإجراء البولندي يعكس تصاعد الخلافات الثنائية، خصوصاً مع ألمانيا.
خبراء: أزمة ثقة تهدد اتفاق شنغن من الداخل
وفي هذا السياق، يرى أستاذ الجغرافيا السياسية للهجرة في جامعة السوربون، أوليفييه بورديون، أن القيود الحدودية تشكل “ضربة جديدة لاتفاقية شنغن، التي بدأت تتآكل منذ أزمة اللاجئين عام 2015″. وأضاف في حديث لـ”إرم نيوز” أن الانتقال من مبدأ التنقل الحر إلى منطق السيادة الوطنية والتفتيش الحدودي يهدد بانهيار منظومة قائمة على الثقة المتبادلة بين الدول الأوروبية.
من جانبه، اعتبر الباحث أنطوان لامبيرت من مركز الدراسات الأوروبية في باريس أن ربط الهجرة بقضايا الإرهاب والفوضى الاجتماعية بات أداة سياسية بيد التيارات الشعبوية، وهو ما يضع الاتفاقيات الأوروبية تحت ضغط متزايد.
خلافات سياسية داخل بولندا حول القرار
داخلياً، واجهت الحكومة البولندية انتقادات من أطراف سياسية معارضة، لا سيما من اليمين القومي والمتطرف، التي تتهم رئيس الوزراء بالخضوع للضغوط الأوروبية، خاصة من ألمانيا. في المقابل، اعتبر مسؤولون محليون مثل نائب عمدة مدينة سلوبتشي الحدودية أن القرار يمثل تراجعاً عن قيم الوحدة الأوروبية.
الأزمة بلغت ذروتها مع ظهور “دوريات أهلية” نظمتها جماعات يمينية متطرفة لمنع دخول المهاجرين، وهو ما دفع الحكومة البولندية للتدخل واعتبار هذه التحركات غير قانونية وتهدد الأمن الداخلي، بحسب ما نقلته مجلة بوليتيكو.
مستقبل غامض لشنغن
يُذكر أن ألمانيا كانت قد بدأت بالفعل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 فرض رقابة على حدودها الشرقية، وهو ما فاقم التوترات، خصوصاً بعد وصول المستشار المحافظ فريدريش ميرتس إلى الحكم واتهامه بولندا بالتقصير في ضبط الحدود الخارجية للاتحاد.
ويشير الخبراء إلى أن استمرار هذه الإجراءات الأحادية من الدول الأعضاء، دون وجود أزمة أمنية أو صحية واضحة، يضع اتفاقية شنغن أمام اختبار حقيقي. ووفق لامبيرت، فإن الاتفاقية بحاجة ماسة إلى تحديث أدواتها القانونية كي تواكب التحديات المعاصرة، وتحافظ على روح التعاون والتكامل داخل الاتحاد الأوروبي.
إرم نيوز



