الاخبار

البدو مقابل الدروز.. أحداث السويداءترسم ملامح تغيير ديمغرافي في دمشق

يثير التصعيد المتواصل في محافظة السويداء جنوب سورية، قلقاً متزايداً بين المراقبين من احتمال انطلاق موجة جديدة من التغيير الديمغرافي، خاصة في بعض مناطق دمشق وريفها مثل جرمانا وصحنايا، والتي يقطنها عدد كبير من أبناء الطائفة الدرزية.
ويعتقد محللون أن ما جرى مؤخراً في السويداء، من إخراج آلاف العائلات البدوية من المحافظة، قد لا يكون حدثاً عابراً، بل ربما يشكل تمهيداً لعملية فرز سكاني أوسع نطاقاً.
فقد بدأت بالفعل عمليات نقل جماعي لعائلات تنتمي لعشائر البدو من مختلف مناطق السويداء إلى محافظتي درعا ودمشق.

تهجير سابق من صحنايا تحت التهديد
مصادر ميدانية كشفت أن سيناريو التهجير لم يبدأ اليوم، بل شهدت مناطق مثل صحنايا وأشرفيتها بريف دمشق موجة عنف دفعت مئات الشبان الدروز إلى الفرار قسراً باتجاه جبل الشيخ، تحت تهديدات بالقتل والاعتقال.
ورغم مرور فترة على هذه الحوادث، فإن الغالبية العظمى من المهجرين لم تعُد إلى منازلها حتى الآن.
تلك التطورات، إلى جانب تصاعد التهديدات والمضايقات ضد أبناء الطائفة الدرزية في جامعات ومحافظات سورية أخرى، تثير مخاوف من أن تشهد مناطق مثل جرمانا وصحنايا موجة تهجير قادمة، في إطار خطة أوسع لإحداث تغيير ديمغرافي ممنهج.
25 ألف مهجر من البدو خلال أسبوع
بحسب تقارير إعلامية، فقد تم تهجير نحو 25 ألف شخص من عشائر البدو من السويداء إلى مناطق أخرى، خلال أسبوع واحد فقط من الاشتباكات.
كما تم نقل حوالي 1500 شخص تحت إشراف الحكومة السورية، بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار شاركت فيه أطراف دولية.
وأوضح قائد “قوى الأمن الداخلي” في السويداء، أحمد الدالاتي، أن الاتفاق يسمح بخروج المدنيين الراغبين من المحافظة، وبدخول من يريد العودة إليها، في إطار جهود رسمية لإعادة الأمن والاستقرار.
هل نحن أمام تبادل تهجير؟ ومن يقف خلفه؟
هذا الواقع يفتح باب التساؤل: هل يجري التمهيد لعملية تهجير متبادلة؟ بدو يُخرجون من السويداء مقابل دروز يُجبرون على مغادرة دمشق وريفها؟ وإذا صح هذا السيناريو، فمن يديره؟
تهجير مطلوب إسرائيلياً؟
الباحث السوري مازن بلال يرى أن التهجير، خصوصاً من غرب وجنوب السويداء، يخدم أهدافاً إسرائيلية واضحة، تهدف إلى خلق مناطق “خالصة” من السلاح أو النفوذ المحتمل للجماعات الجهادية.
لكنه يوضح أن عملية الفرز السكاني بهذا الشكل تحتاج إلى استفزازات كبيرة، خاصة وأن انتشار الطائفة الدرزية في غرب دمشق والجولان يجعل تنفيذ هذا السيناريو معقداً للغاية.
ويرى بلال أن العملية، إن كانت ستتم، ستتطلب توافقاً إسرائيلياً – سورياً، وهو أمر لم يحدث بعد، خاصة أن دمشق تتعامل بحذر شديد في أي خطوة تخص الجنوب، بسبب الحضور الإسرائيلي القريب.
كما يشير إلى أن نماذج مشابهة من التهجير حدثت سابقاً في وسط سورية، خاصة في ريف حمص وحماة، بحق أبناء الطائفة العلوية، بهدف خلق حزام أمني حول الساحل.
إلا أن السويداء، بحكم موقعها الجغرافي الحساس على تماس مباشر مع إسرائيل، تمثل حالة خاصة.
من السويداء إلى التقسيم؟
الناشط السياسي قيس الشاعر، من أبناء السويداء، يذهب أبعد من ذلك.
ففي حديثه لـ “إرم نيوز”، يرى أن ما يجري قد يكون مقدمة لسيناريو تقسيم كامل، يبدأ بعملية تهجير جماعي تنفذها السلطة السورية بالتنسيق مع جهات خارجية، رغم التطمينات التي صدرت من مشايخ العقل وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهجري.
ويحذر الشاعر من أن البلاد تتجه إلى مشروع تقسيم خارجي متفق عليه سراً، يُنفذ على الأرض من دون أن يكون للسوريين أي رأي فيه، مؤكداً أن أكثر ما يمكن أن يؤمل في حال حدوث التهجير، أن يتم دون سفك دماء.
إعادة هندسة ديمغرافية مستمرة منذ سنوات
أما الكاتب المختص بالحركات الإسلامية، عبدالله علي، فيرى أن التهجير والتلاعب الديمغرافي ليس أمراً جديداً، بل هو جزء ثابت من الحرب السورية منذ سنواتها الأولى، بدءاً من اتفاقات “المدن الأربع” (الزبداني والفوعة) التي شاركت فيها فصائل كجبهة النصرة.
ويؤكد علي أن الخطر ما يزال قائماً، وأن ما يحدث الآن في السويداء – بما في ذلك نقل عشرات الآلاف من البدو إلى درعا – قد يكون مقدمة لموجة تهجير أخرى تستهدف مناطق درزية قرب دمشق مثل صحنايا وجرمانا.
موجة أولى.. ومخاوف من ثانية
ويكشف الباحث أن ما يُسمى “الموجة الأولى من التهجير” قد وقعت بالفعل خلال مواجهات سابقة في صحنايا، حيث اضطر عدد كبير من الشبان الدروز، لا سيما من المشتبه في حملهم للسلاح، إلى مغادرة المنطقة باتجاه قرى الجولان وجبل الشيخ.
ورغم خطورة السيناريو، يستبعد عبدالله علي أن يتم تنفيذ تهجير شامل لكل الدروز من ريف دمشق، نظراً للتعقيدات السياسية واللوجستية الكبيرة، لكنه يقر بأن المخاوف واقعية، ويؤكد أن استمرار غياب حل سياسي حقيقي يجعل التغيير الديمغرافي احتمالاً قائماً.
هل تسعى إسرائيل لتفتيت سورية أكثر؟
ويختتم الباحث بالتحذير من أن مصالح بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، تدفع باتجاه “تقسيم المقسم” في سورية، عبر تفكيك المجتمع من الداخل وإعادة رسم خرائط السيطرة والنفوذ، في إطار مشروع جيوسياسي أوسع لإعادة هندسة الشرق الأوسط.
ويحذر من أن غياب الوعي الوطني في مواجهة هذه المخاطر قد يسرّع من تنفيذ هذه المخططات، مؤكداً أن البلاد قد تنزلق بالفعل إلى سيناريو تقسيم شامل إذا استمر هذا النهج من التهجير والتهميش وغياب الإرادة السياسية الحقيقية للحل.
إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى