الجفاف يهدد الزراعة البعلية في سورية

تشهد سورية هذا العام أزمة زراعية خانقة، مع تراجع غير مسبوق في الزراعة البعلية نتيجة شح الأمطار، إذ سجّلت البلاد أدنى معدلات هطول مطري منذ عقود، وفقاً لما نشرته المديرية العامة للأرصاد الجوية في أيار الماضي.
تراجع في المساحات المزروعة والإنتاج
بلغت مساحة الأراضي البعلية في سورية عام 2013 نحو 3.3 ملايين هكتار، خُصص معظمها لزراعة القمح والشعير، فيما شغلت محاصيل العدس والحمص والفول نحو 200 ألف هكتار، بحسب الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية.
ورغم بداية موسم 2024 بأمطار خفيفة في أيلول، شهدت البلاد انحباساً مطرياً حاداً منذ كانون الثاني، لتتقلص نسبة الأمطار بأكثر من 45% مقارنة بالسنوات السابقة. ما جعل معظم مناطق الاستقرار الزراعي جافة أو شبه قاحلة.
القمح البعلي الأكثر تضررًا
كشفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن إنتاج الحبوب لهذا العام بلغ حوالي 3.4 ملايين طن، بانخفاض قدره 13% عن متوسط السنوات الخمس الماضية، و33% عن مستويات ما قبل 2011.
وأشارت الفاو إلى أن تراجع الإنتاج سببه الرئيسي سوء توزيع الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة خلال شهري نيسان وأيار، إضافة إلى ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية.
في ريف حمص، اضطر مزارعون لبيع محاصيلهم البعلية لمربي المواشي بأسعار متدنية لتعويض جزء من الخسائر.
إذ أكد المزارع غياث الآغا أن خسارته بلغت 370 ألف ليرة للدونم الواحد، بينما حصل على 30 ألف ليرة فقط عند “تضمين” المحصول لرعي الأغنام.
محصول خارج الخدمة في أغلب المناطق
بحسب المهندس الزراعي محمد بحري، فإن نمو المحاصيل البعلية كان ضعيفًا إلى درجة منعت حتى إمكانية “تضمينها” كمراعٍ، خصوصاً في مناطق مثل سهل الغاب.
وفي شمال سورية، أوضح المهندس أنس رحمون أن مناطق واسعة مثل سراقب، ريف حلب الجنوبي، معرة النعمان، خان شيخون، وريف حماة الشمالي، خرجت بالكامل من دورة الإنتاج البعلي، فيما شكّل القمح البعلي – الذي يمثل 30% من الإنتاج الوطني – أبرز الخسائر.
التربة تفقد خصوبتها بسبب الجفاف
الجفاف لم يضرّ بالمحاصيل فقط، بل أثّر بشكل مباشر على خصوبة التربة، خاصة في المناطق المعتمدة على الأمطار.
المهندس خالد الكنج حذّر من فقدان الطبقة السطحية الغنية بالمغذيات نتيجة التعرية وارتفاع التبخر، موضحاً أن هذه الطبقة تستغرق مئات السنين لتتكوّن. كما أشار إلى انخفاض قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة والعناصر الغذائية، مما يضعف الإنتاج مستقبلاً.
حلول بديلة.. مكلفة ومحدودة
يبحث المزارعون اليوم عن حلول بديلة لمواجهة الجفاف، من بينها الاعتماد على الري بالطاقة الشمسية.
وأوضح المهندس الكنج أن هناك أنظمة ضخمة تعمل بالطاقة الشمسية لري مساحات تصل إلى 1500 دونم، كما في بعض قرى إدلب والمختارية بريف حمص.
لكن الكلفة المرتفعة ما تزال عائقاً، خاصة لمن يعتمد على مضخات الديزل، مثل المزارع عبد الرحمن سطيف، الذي أشار إلى أن ري الدونم الواحد يحتاج لنحو 6 ليترات مازوت، مع تحديات أمنية تضطره لنقل المولدات ذهابًا وإيابًا.
جهود بحثية ودعم حكومي لمواجهة الكارثة
في مواجهة هذه التحديات، يعمل المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد) على تطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف، تشمل القمح الصلب والطري، والشعير، والذرة البيضاء، وتُستخدم حاليًا في سورية ودول عربية أخرى.
كما يروّج المركز لزراعة الصبار الأملس الخالي من الأشواك كعلف مستدام في المناطق الجافة، إضافة إلى تعزيز ممارسات الزراعة الحافظة.
على الصعيد الحكومي، وقعت وزارة الزراعة السورية اتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي (WFP) لدعم نحو 33 ألف مزارع متضرر في عدة محافظات، تشمل منحًا مالية في الحسكة، حلب، إدلب، حماة، حمص ودرعا، إلى جانب توزيع سلال غذائية شهرية في الرقة ودير الزور حتى نهاية العام.
مستقبل الزراعة في سورية سوريا.. بين التحديات والحلول
يرى المهندس محمد بحري أن مواجهة الجفاف على المدى الطويل تتطلب استراتيجيات متكاملة تشمل إعادة تفعيل مشاريع حصاد المياه، وتوفير القروض لتبنّي تقنيات ري حديثة، وحتى استعادة مشروع الاستمطار الصناعي، إضافة إلى تشجيع زراعة محاصيل اقتصادية قليلة الاستهلاك للمياه.
عنب بلدي



