فورين بوليسي : لماذا احتضن الغرب سورية وتخلى عن أفغانستان؟

نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية تقريراً لافتاً سلّط الضوء على التناقض الغربي في تعاطيه مع حالتين سياسيتين مثيرتين للجدل : حكومة أحمد الشرع في سورية، التي يقودها أحد القادة السابقين في هيئة تحرير الشام، وحركة طالبان في أفغانستان، التي ما تزال معزولة دولياً رغم سيطرتها على البلاد.
التقرير أشار إلى أن أحمد الشرع، الذي كان مصنفاً سابقاً كـ”إرهابي” من قبل الولايات المتحدة، أصبح اليوم يتلقى دعماً دبلوماسياً متزايداً، في وقت تستمر فيه واشنطن والعواصم الغربية في تجاهل حركة طالبان.
ورغم التشابه النسبي في ظروف وصول الطرفين إلى السلطة، إلا أن الغرب اتبع نهجاً مرناً مع دمشق، مقابل استمرار سياسة العقوبات والعزل تجاه كابل.
الرهانات الاستراتيجية تسبق القيم
تناول التقرير تحليلاً معمقاً للأسباب الجيوسياسية التي دفعت الدول الغربية إلى التفاعل بإيجابية مع الحكومة الجديدة في سورية.
وبيّن أن الاعتراف الدولي لم يعد يُمنح بناءً على الشرعية القانونية أو السيطرة الفعلية، بل على خلفية الأهمية الجيوسياسية، والفرص التي تتيحها الأنظمة الجديدة للغرب.
فعلى عكس أفغانستان، لم تتكبد الولايات المتحدة في سورية خسائر بشرية كبيرة، ولم تكن قد دعمت النظام السابق (الأسد) الذي أطاحت به هيئة تحرير الشام.
لذلك، بدا الانفتاح على الشرع خياراً أكثر سهولة، خاصة أنه لم يكن طرفاً في أحداث 11 أيلول، بخلاف طالبان التي ما تزال صورتها مرتبطة بتلك الهجمات حتى اليوم.
أحمد الشرع : من مطلوب إلى شريك محتمل
يستعرض التقرير التحول اللافت في صورة أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم “أبي محمد الجولاني”.
فقد تحوّل من قائد جهادي على قائمة المطلوبين الأميركيين، إلى زعيم سياسي يرتدي البدلات الرسمية، ويشارك في المؤتمرات، ويُستقبل من قبل رؤساء دول مثل إيمانويل ماكرون، ويتلقى الإشادة من قادة عالميين، بمن فيهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
وخلال فترة حكمه لمناطق إدلب، عمل الشرع على تقديم نفسه بصورة جديدة، حيث التقى بوفود مدنية من النساء، وتحدث عن “نهج مختلف” في التعامل مع المجتمع، بعيداً عن التشدد.
في المقابل، حافظ قادة طالبان على مظهرهم وسلوكهم التقليدي، وفرضوا قيوداً صارمة على النساء، بما في ذلك منع الفتيات من التعليم وإغلاق مراكز التجميل.
الشتات يرسم ملامح التأثير السياسي
التقرير أشار أيضاً إلى الفروقات في ردود فعل الجاليات السورية والأفغانية في الشتات، خاصة في الولايات المتحدة. ففي حين عبّر السوريون في الخارج عن ارتياحهم لسقوط نظام الأسد، انقسمت آراء الأفغان تجاه عودة طالبان.
كما شهدت أفغانستان موجات هجرة واسعة بعد سيطرة الحركة على الحكم، بينما عاد عدد من السوريين إلى مناطقهم بعد سيطرة الحكومة الجديدة.
من ناحية ديموغرافية، يوضح التقرير أن غالبية السوريين من السنة، يرون في حكومة الشرع خياراً أقل خطراً من الأسد، في حين أن الأقليات مثل العلويين والدروز والأكراد ما زالوا يتعاملون معها بحذر.
أما الجالية الأفغانية، فتنقسم بين الطاجيك والبشتون، وكثير من الطاجيك يرفضون أي حوار بين الغرب وطالبان.
مقاربات الشتات : الضغط مقابل الانفتاح
وفق التقرير، فإن الجالية الأفغانية في الولايات المتحدة لعبت دوراً نشطاً في الضغط على واشنطن لعزل طالبان ومواصلة العقوبات عليها، بل إن بعضهم طالب بدعم مقاومة مسلحة في الداخل. في المقابل، تحاول المنظمات السورية في أميركا وأوروبا الدفع باتجاه الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة، معتبرة أن انتهاء عهد الأسد يمهّد لمرحلة جديدة أقل استبداداً.
ورغم التحذيرات من أن حكومة الشرع قد تفتح الباب أمام عودة التشدد، إلا أن الارتياح الشعبي لنهاية الحرب وسقوط سجون النظام خفّف من تلك المخاوف.
السبب الحقيقي : سورية أكثر أهمية
في ختام التقرير، خلصت فورين بوليسي إلى أن السبب الجوهري وراء تباين مواقف الغرب من طالبان وحكومة أحمد الشرع، بسيط جداً : سورية أكثر أهمية من أفغانستان. رغم المشاعر القومية التي تعبّر عنها النخب الأفغانية، يبقى وزن سورية الاستراتيجي والسياسي أكبر في نظر الغرب، لاعتبارات تتعلق بموقعها، وتأثيرها الإقليمي، ودورها في ملفات معقدة تشمل الأمن، والهجرة، والطاقة، والعلاقة مع إسرائيل.
تلفزيون سوريا



