حي القيمرية الدمشقي : من “آيا ماريا” إلى مشهد الوصاية

بعدما انتشرت صور ومقاطع لمحاولات فرض الوصاية على حي القيمرية بدمشق القديمة، من خلال إغلاق المقاهي والبارات تحت شعارات “الأخلاق والدين”، وجدنا من الضروري تسليط الضوء على هذا الحي العريق، لتذكير الناس بأن التاريخ لا يُمحى بالصوت العالي.
من “آيا ماريا” إلى “القيمرية”… الاسم الذي نُسي عمداً
الاسم الأصلي للحي هو “آيا ماريا”، نسبة إلى كنيسة قديمة في المكان تعود للعصور البيزنطية، تيمناً بالقديسة مريم. مع الزمن، ونتيجة التحولات اللغوية، أصبحت تُلفظ شعبيًا “إيمريا”، ثم “قيمرية” باللهجة الشامية.
لكن هذا التحول لم يلغِ الأصل. الاسم لم يُمنح عشوائياً، بل نبت من الكنيسة والتراث المسيحي العريق، ولا يزال القيد العقاري القديم يحتفظ بعبارة: “حي القيمرية المسيحية”.
الحي ليس ملكًا لأحد… بل فسيفساء الجميع
القيمرية ليست حيًا مستحدثًا ولا خاصًا بفئة معينة.
عاشت فيه طوائف متعددة منذ قرون: مسيحيون، مسلمون، يهود، تجار، رهبان، فنانون.
كان حيًّا مفتوحًا، متسامحًا، لا يعرف الوصاية. واليوم، لا يحق لأي طرف أن يفرض نمط حياة على الآخرين أو يصادر الفضاء العام باسم “الفضيلة ”.
التاريخ لا يُمحى… بل يحاكم من يُنكره
كما لم تُمحَ ذاكرة كنيسة مار يوحنا المعمدان حين تحوّلت إلى الجامع الأموي، وبقي قبر يوحنا في قلب المسجد، كذلك لا يمكن محو جذور القيمرية تحت شعارات دينية أو أخلاقية.
ما يجري اليوم ليس تحولاً طبيعياً، بل إلغاءٌ قسري لهوية عمرها قرون.
وتبقى دمشق لكل أبنائها من لا يناسبه تنوع الحي، فليغلق نافذته.. لا أبواب المدينة.
الشام القديمة ليست عقارًا خاصًا، بل ذاكرة وطن.
وأي محاولة لفرض لون واحد على فسيفساء عمرها آلاف السنين، هو عدوان على التاريخ والمجتمع معًا.
“آيا ماريا” ليست مجرّد اسم… بل شهادة حية على أن التنوع سابق للوصاية، وأقوى من محاولات الطمس.”
معلومة لابد منها :
كلمة “آيا” هي كلمة يونانية الأصل (Ἁγία – Hagía)، وتعني “القديسة” أو “القديس” عند الإشارة إلى الأماكن المقدسة أو الشخصيات المسيحية.
كانت تُستخدم في التقاليد البيزنطية لوصف المقامات المقدسة وخاصة الكنائس المكرّسة لشخصيات مسيحية أو لصفات إلهية.
معنى كلمة “آيا”:
• “آيا صوفيا” (Hagia Sophia): تعني “الحكمة المقدسة”.
• “آيا ماريا” (Hagia Maria): تعني “القديسة مريم”.
• “آيا كاترينا” (Hagia Aikaterinē): تعني “القديسة كاترينا”.
• “آيا ثيودورا” (Hagia Theodora): القديسة ثيودورا.
• “آيا نيكولا” (Hagia Nikolaos): القديس نيقولاوس.
بقلم: يعقوب مراد



