توقف التسجيل المدني في سورية يثير أزمة “مجهولي الهوية”

يجد السوريون منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، أنفسهم عاجزين عن إنجاز أي معاملة متعلقة بالأحوال المدنية، بعد أن توقفت مديريات “الشؤون المدنية” في البلاد عن تسجيل الولادات والوفيات وعقود الزواج، وأوقفت إصدار البطاقات الشخصية الجديدة.
وتقتصر الخدمات المقدمة حالياً على استخراج بعض الوثائق الأساسية، التي تتيح للمواطنين متابعة معاملاتهم في الدوائر الرسمية.
مصدر في مديرية الأحوال المدنية بمحافظة اللاذقية أكد لـ”إرم نيوز” أن وزارة الداخلية أوقفت بشكل شامل برنامج تسجيل الواقعات المدنية منذ لحظة سقوط نظام بشار الأسد، دون أي توضيح رسمي للأسباب.
وأوضح أن هذا التوقف لا يقتصر على الداخل السوري، بل يشمل أيضاً السفارات في الخارج، مما فاقم من معاناة السوريين المغتربين الذين باتوا عاجزين عن تسجيل أولادهم أو استصدار أوراق رسمية.
سوريون بلا هوية : “ولدت من جديد ولكن بلا اسم”
يحكي “يحيى”، أحد المعتقلين السابقين لدى النظام، عن معاناته بعد خروجه من أحد الفروع الأمنية في دمشق يوم سقوط النظام.
فقد هويته داخل المعتقل خلال الاقتحام، وأصبحت حالته القانونية أشبه بشخص مجهول.
وعلى مدار ستة أشهر، سعى للحصول على أي وثيقة تثبت شخصيته، لينتهي به المطاف بورقة مؤقتة من مديرية النفوس في اللاذقية، تؤكد فقدان هويته لكنها غير كافية لإنجاز أي معاملة رسمية.
في الخارج.. المعاناة تتضاعف
وفي السعودية، يواجه “أيهم”، المغترب منذ تسع سنوات، صعوبات مماثلة.
فقد تمكّن من إصدار شهادة ميلاد لابنته من السلطات السعودية، وصدقها من الجهات المختصة، إلا أن السفارة السورية رفضت تسجيلها بسبب غياب النظام الإلكتروني الخاص بالتوثيق.
الحل الوحيد المتاح له كان إرسال الأوراق إلى سورية لتسجيل الطفلة بشكل يدوي، لكنه لم يتلقَ أي رد منذ أكثر من شهر، ما يهدد بفقدان ابنته لحقها في الحصول على جواز سفر وإقامة نظامية.
أما في ألمانيا، فيواجه “إبراهيم” تحديين مزدوجين : عدم تثبيت زواجه قانونياً، ما يعيق تحركه بين سورية وأوروبا، وعدم تسجيل ولادة طفله، ما يجعل نسبه غير معترف به قانونياً، إذ إن كلا الإجراءين مرتبطان بتوقف منظومة الأحوال المدنية.
فراغ قانوني يعمّ البلاد
هذا الجمود في تسجيل البيانات الشخصية يُدخل السوريين في حالة من الفراغ القانوني، ويحول دون حصولهم على أبسط حقوقهم، كالتعليم والصحة والسفر. ويتفاقم أثر هذه الفجوة بشكل أكبر بين اللاجئين والمغتربين، وسط صمت رسمي مطبق من السلطات السورية الجديدة حول أسباب التجميد.
وتصف المحامية السورية والناشطة الحقوقية ريما أوشو هذا الوضع بـ”الفراغ الذي يدعو للريبة”، معتبرة أن تجاهل السلطات لشرح ما يجري، وسط غياب التغطية الإعلامية، لا يمكن أن يُفسر فقط بعطل تقني أو بيروقراطي، بل يكشف عن أزمة أعمق تمتد إلى بنية الدولة نفسها ووظيفتها.
أرقام صادمة : مئات الآلاف بلا تسجيل
بيانات مستندة إلى مصادر أممية ومواقع اقتصادية دولية، كـMacroTrends وTheGlobalEconomy.com، تشير إلى أن سورية شهدت بين 9 ديسمبر 2024 و20 مايو 2025 ما يقارب 269 ألف ولادة جديدة و55 ألف وفاة، دون أن تُسجل رسمياً، ما يفتح فجوة ضخمة في سجل الأحوال المدنية، في بلد يعاني أصلاً من خلل توثيقي مزمن منذ عام 2011.
الباحث السوري مازن بلال يسلّط الضوء على خطورة غياب التسجيل الرسمي، مؤكداً أن الدولة تخسر بذلك واحدة من أهم أدوات التخطيط والتنمية، بدءاً من توزيع الموارد إلى تنظيم سوق العمل وتقدير تعويضات الوفيات.
ويحذر بلال من تحوّل سورية إلى “دولة مفككة سكانياً”، حيث تتراجع قدرة الدولة على حفظ بيانات سكانها، وتُترك مسؤولية إثبات الوجود القانوني للعائلات والمجتمع المحلي، ما يفتح الباب أمام حرمان آلاف الأشخاص من حقوقهم الأساسية كالميراث والجنسية.
الخلل في الشبكة.. أم في القرار السياسي؟
مصدر في مديرية الشؤون المدنية بدمشق أوضح لـ”إرم نيوز” أن السبب الظاهري للأزمة هو مشاكل في شبكة البيانات القديمة التي لم يتم تحديثها خلال عهد النظام السابق، حيث يتم حالياً العمل على صيانة الشبكة وإدماجها مع شبكات في إدلب وشمال حلب، وهو ما يعوق استئناف تسجيل الواقعات الجديدة.
لكن المحامية أوشو ترى أن ما يجري يتجاوز العطل الفني، مرجحة أن تكون الأزمة جزءاً من استراتيجية سياسية أوسع تتعلق بإعادة ضبط قواعد البيانات، وربما تتصل بملفات مثل تجنيس المقاتلين الأجانب أو إعداد شبكات بديلة خارج البلاد.
ويرى الباحث مازن بلال أن السلطات قد تكون تعمدت وقف التسجيل لتجنب الاعتراف الرسمي بالتغيرات الديموغرافية الناتجة عن النزوح واللجوء، وربما تعكف على بناء قاعدة بيانات جديدة “تحت السيطرة”، تعكس واقعاً سياسياً مرغوباً لا يعكس بالضرورة الواقع على الأرض.
نمو سكاني خارج السيطرة
الخبير الاقتصادي أيهم أسد يعرب عن قلقه من أن هذا الفراغ التوثيقي يتزامن مع واحد من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم، بلغ 4.86% عام 2023، نتيجة ارتفاع معدل الولادات مقارنة بانخفاض معدل الوفيات.
ويشير إلى أن غياب التوثيق يحوّل هذا النمو إلى “نمو شَبَحي” لا يمكن قياسه أو التعامل معه، ما يعني أن الدولة تفقد صلتها بمواطنيها.
ويختم بالتحذير من أن “الاقتصاد لا يمكن أن يُدار في غياب قاعدة بيانات موثوقة”، مؤكداً أن إعادة تفعيل تسجيل الواقعات بات ضرورة وطنية.
وفي غياب أي بوادر لحل قريب، يبقى ملايين السوريين في الداخل والخارج في مهب فراغ قانوني يعمّق أزمة البلاد ويهدد مستقبلها.
إرم نيوز



