وجبة واحدة تساوي راتب شهر.. ما سبب الأسعار الخيالية في مطاعم دمشق؟

في قلب العاصمة السورية دمشق، التي أنهكتها سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية، تتعايش مشاهد متضادة تكشف عمق التفاوت الاجتماعي والمعيشي بين السكان. ففي حين يكافح معظم المواطنين لتأمين أساسيات الحياة من طعام وسكن، تزدهر مطاعم فاخرة تقدم وجبات بأسعار تتجاوز أحيانًا راتب الموظف الحكومي لشهر كامل.
رفاهية على طاولات قلّة… في مدينة تعاني الفقر
في أحياء مثل المالكي وأبو رمانة وكفرسوسة، لا يبدو أن ارتفاع الأسعار يقلل من إقبال الزبائن على المطاعم والمقاهي الفخمة. الطاولات مكتظة، والأطباق باهظة، بينما في مناطق أخرى من العاصمة، تمتد طوابير الخبز وتخلو الرفوف من السلع نتيجة ضعف القدرة الشرائية. هذا الواقع يسلط الضوء على تفاقم التفاوت الطبقي في سوريا واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء.
أسعار تفوق دخل المواطن… وفواتير تتجاوز المليون ليرة
تتراوح أسعار بعض الوجبات في دمشق بين 100 و250 ألف ليرة سورية، بينما تتجاوز الفواتير العائلية حاجز المليون ليرة سورية بسهولة، في وقت لا يتعدى فيه متوسط راتب الموظف الحكومي 400 ألف ليرة. رغم ذلك، تروج بعض المطاعم لنفسها على أنها تقدم “خدمة خمس نجوم” أو “تجربة راقية”، في تناقض صارخ مع واقع غالبية السكان الذين بالكاد يستطيعون شراء سندويشة فلافل.
فواتير بالملايين… و”الطبقة المخملية” لا تتأثر
عمر الأحمد، زائر من ريف حلب، صُدم عندما دفع أكثر من 3 ملايين ليرة سورية مقابل وجبة شاورما وبعض الأطباق المشوية والعصائر، وهو مبلغ يقول إنه يكفي لإعالة أسرته الصغيرة لشهر كامل في الأتارب. أما في منطقة الشعلان، فيؤكد أحد العاملين في مطعم شهير أن الزبائن لا يترددون في دفع فواتير تصل إلى 11 مليون ليرة، خصوصاً عند طلب أطباق بحرية مثل السمك الرملي والقريدس، حيث يتجاوز سعر الكيلو الواحد منها 900 ألف ليرة.
أصحاب المطاعم: التكاليف عالية والربح ليس مبالغاً فيه
يبرر بعض أصحاب المطاعم هذه الأسعار بما وصفوه بـ “التكاليف التشغيلية الباهظة”، مثل ارتفاع أسعار المواد الأولية، وانقطاعات الكهرباء، والاعتماد على المولدات، إلى جانب الضرائب وتكاليف الديكور. سامر الحداد، صاحب مطعم في كفرسوسة، أوضح أن الأسعار تعكس الكلفة العالية اليومية التي يتحملها المطعم، لا الطمع كما يتصور البعض.
الحكومة: لا تسعيرة موحدة بسبب اختلاف التكاليف
مصدر في وزارة التجارة الداخلية بيّن أن الوزارة تضع أسعاراً استرشادية للمواد الأساسية، لكنها لا تستطيع فرض تسعيرة موحدة على المطاعم بسبب تفاوت كلفة التشغيل والخدمات من مكان لآخر. وأشار إلى أن هناك خطة لإنشاء مراكز رقابة تتابع الأسعار وتحلل كلفة المواد الخام، إلى جانب العمل على تحسين الإنتاج المحلي للحد من الاعتماد على الاستيراد.
خبير اقتصادي: انفلات سعري وغياب للعدالة الاقتصادية
الخبير الاقتصادي الدكتور حسام ناصر يرى أن ارتفاع أسعار الطعام في دمشق هو انعكاس لأزمة أعمق، تتعلق بانهيار البنية الاقتصادية، وتراجع الإنتاج المحلي، وغياب المنافسة الحقيقية، مما فسح المجال لاحتكار الأسعار من قبل قلة من الموردين.
وأوضح أن ضعف الليرة السورية أفقد الرواتب قيمتها، ما حوّل حتى الوجبات العادية إلى “رفاهية” لا يقدر عليها معظم السوريين. وأضاف: “نحن أمام حالة من الانفلات السعري، وتدهور في العدالة الاقتصادية، حيث تستهلك أقلية قادرة بينما تعاني الأغلبية في صمت”.
هل من حلول؟ خطوات حكومية خجولة في وجه واقع متأزم
دعا ناصر إلى إعادة تنظيم الأسواق، ووضع ضوابط عادلة لتسعير المواد الغذائية والخدمات، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي، وتسهيل استيراد المواد الأساسية بأسعار مخفضة. وختم بقوله إن الحكومة لا تملك حلولاً سحرية، لكنها تستطيع أن تحدث فرقاً نسبياً إذا وضعت سياسات اقتصادية متوازنة تخدم المستهلك من دون تقييد أصحاب الأعمال.
سوريا اليوم



