طباعة العملة السورية.. هل تتجه دمشق نحو أوروبا لاستعادة استقلالها النقدي؟

عادت مسألة طباعة العملة السورية إلى الواجهة بعد تسريبات تحدثت عن احتمال نقل عملية الطباعة من روسيا إلى دول في الاتحاد الأوروبي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية واقتصادية عميقة حول مستقبل النظام النقدي في سورية، وإمكانية حدوث تحوّل استراتيجي في علاقاتها الدولية.
تاريخيًا، لم تطبع سورية عملتها الخاصة حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، حيث كانت تتداول عملة موحدة مع لبنان تُطبع في فرنسا إبّان فترة الانتداب. وبعد الاستقلال، بدأت سورية في بناء نظام نقدي مستقل، وجرى طباعة الليرة السورية في مطابع أوروبية مثل النمسا وسويسرا، في ظل أجواء سياسية مرنة نسبيًا مقارنةً بما أعقب ذلك.
لكن التحول الكبير جاء مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، حيث توثّقت العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، وتم تحويل طباعة العملة إلى موسكو كجزء من شراكة سياسية وعسكرية واقتصادية.
ومع العقوبات الغربية لاحقًا، ولا سيما بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، أصبح الاعتماد على روسيا شبه كامل، خصوصًا بعد توقيع عقود مع شركة “غوزناك” الروسية، التي تولت طباعة وشحن الليرة السورية إلى دمشق عبر طائرات شحن عسكرية.
لكن هذا الاعتماد تحوّل لاحقًا إلى مسار أكثر غموضًا، بعدما دخلت العملية في قنوات أمنية مغلقة وغير خاضعة للرقابة المصرفية.
وكشفت وثائق “أسرار قبرص” لاحقًا عن وجود شركات وهمية ومكاتب مالية مرتبطة بمسؤولين في النظام، تسهّل عمليات الطباعة وتلتف على العقوبات من خلال استخدام واجهات قانونية في قبرص.
اقتصاديًا، أدت هذه السياسات إلى نتائج كارثية، حيث ضُخّت كميات كبيرة من العملة دون وجود غطاء اقتصادي حقيقي، ما سرّع انهيار الليرة، وأفقدها دورها كأداة ادخار وقيمة، وحوّلها إلى وسيلة لتغطية الاحتياجات اليومية فقط.
في هذا السياق، وفي مارس 2025، أعلن القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي في سورية عن استعداد أوروبي لطباعة العملة السورية داخل دول الاتحاد، مستندًا إلى التخفيف الجزئي للعقوبات المفروضة.
هذا الإعلان اعتُبر مؤشراً على احتمال حدوث تغيير سياسي أوسع، خصوصًا أنه يعيد إلى الواجهة ملف السيادة النقدية التي لطالما كانت أداة بيد السلطة.
ويرى مراقبون أن التوجه الأوروبي ناتج عن عدة عوامل، منها تدهور البنية الاقتصادية في سورية، وغياب الكفاءات اللازمة، فضلاً عن رغبة النظام – وربما ضغوط دولية – بالخروج من هيمنة موسكو على المفاصل الاقتصادية.
وفي حال تم الاتفاق مع طرف أوروبي، فإن عملية الطباعة ستمر عبر خطوات قانونية معقدة، تتضمن اتفاقيات رسمية مع البنك المركزي السوري تحدد الكمية، المواصفات الفنية، ووسائل الأمان، مع رقابة مزدوجة من الجهتين لضمان الشفافية.
الأمر يتطلب جاهزية مؤسساتية واضحة، وهو ما يشكك فيه البعض في ظل ضعف النظام المالي الحالي.
وحول هذه المسألة، قال الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي إن فتح المطابع الأوروبية لن يتم إلا بشروط دقيقة تتعلق بالحوكمة وطرق الإصدار النقدي، مؤكدًا على ضرورة التفاوض الذكي ومراعاة البُعد السياسي في تعامل كل دولة مع النظام السوري.
ماذا عن تصميم العملة الجديدة؟
إذا تقرر فعلاً طباعة عملة جديدة، فإن النقاش لن يقتصر على المكان بل سيتجاوز ذلك إلى الشكل والمضمون: من سيضع التصميم؟ وما الرموز التي ستُعتمد؟
في سورية، ترتبط أوراق العملة الحالية بصور حافظ الأسد وشعارات النظام، دون تمثيل حقيقي للثقافة أو التنوع السوري. وفي حال جرى تغيير التصميم، فقد تكون الفرصة سانحة لإعادة بناء هوية نقدية تعكس سورية المستقبل.
النموذج العراقي بعد عام 2003 يُعتبر تجربة رائدة في هذا السياق، إذ تم استبدال الدينار العراقي بالكامل عبر شركة بريطانية خلال فترة قصيرة، مع إزالة صور النظام السابق وإطلاق عملة موحدة لكل مناطق البلاد، حتى كردستان.
الأمل اليوم أن تنجح سورية في السير على خطى تجربة شبيهة، تعيد الثقة بالعملة الوطنية وتُعبّر عن دولة تتسع لجميع مكوّناتها، لا مجرد أداة بيد السلطة.
الاقتصاد اليوم



