هل تصحّح الحكومة الجديدة المسار؟.. سياسات المصارف السورية خلال 13 عاماً كبّلت الإنتاج وتسببت بشلل التمويل

في الوقت الذي تُعد فيه القروض المصرفية محرّكاً رئيسياً لعملية الإنتاج في أغلب اقتصادات العالم، يبدو أن المشهد السوري يسير باتجاه مختلف منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من 13 عاماً. فدور المصارف في تمويل المشاريع الإنتاجية تقلّص إلى حد كبير، لتبقى عجلة الاقتصاد تدور ببطء رغم مؤشرات التعافي الخجولة مؤخراً.
مصارف مقيدة بوهن الحرب.. وأمل بتصحيح المسار
ما زالت البنوك السورية ترزح تحت وطأة آثار الأزمة التي ضربت البلاد منذ 2011، الأمر الذي أفرز واقعاً اقتصادياً غير طبيعي انعكس بشكل واضح على حجم الودائع والقروض.
وبينما ترتفع نسب الإقراض في بعض الدول لتصل إلى أكثر من 110% من الناتج المحلي، تظل البنوك السورية عاجزة عن اللحاق بهذا النسق العالمي.
وبالعودة إلى الفترة بين 2012 و2016، نجد أن القروض المصرفية توقفت بشكل شبه كامل، إلى أن عاد البنك المركزي السوري لاحقاً وسمح بتمويل بعض المشاريع، خاصة تلك المتعلقة بالصناعات الغذائية والاستهلاك المحلي، في محاولة لتحريك السوق.
لكن نتيجة التضخم المفرط والقلق من عدم القدرة على السداد، لجأت المصارف إلى تشديد إجراءات الإقراض، ما أدى إلى تجميد جزء كبير من السيولة لديها – إذ تجاوزت نسبة السيولة المعطلة في بعض البنوك 50%، في حين يوصي المركزي عادة باحتفاظ المصارف بـ 30% فقط كاحتياطي.
حجم التمويل الفعلي لا يواكب التحديات
لنأخذ المصرف التجاري السوري كمثال – وهو الأكبر في البلاد – فقد أظهرت بيانات النصف الأول من عام 2024 أن القروض الاستثمارية بلغت 72 مليار ليرة سورية، بينما وصلت قروض التجزئة إلى 325 مليار، وقروض الطاقة المتجددة إلى 184 مليار ليرة.
في المقابل، لم تتجاوز ودائع القطاع الخاص لدى المصرف 3.2 تريليون ليرة، أي ما يعادل 7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي المعلن، البالغ 38 تريليون ليرة. وهي نسبة ضئيلة جداً تعكس فقدان الثقة في الإيداع المصرفي، بسبب التضخم وضعف العائدات والفوائد المتدنية مقارنة بمعدل الخسارة الفعلية في رأس المال.
تراجع حاد في حجم القروض.. وتجميد للقطاعات الحيوية
بلغ مجموع القروض التي منحها المصرف التجاري السوري في النصف الأول من العام نحو 581 مليار ليرة، وهي نسبة يمكن إسقاطها على بقية المصارف لمعرفة حجم العجز في تمويل القطاعات الأساسية.
واللافت أن القروض كانت موجهة لمجالات محددة، ما أدى إلى استبعاد قطاعات مثل التجارة والعقارات، وهما ركيزتان مهمتان في الاقتصاد الوطني.
يضاف إلى ذلك، أن غلاء المواد الأولية وصعوبات الإنتاج حال دون تنفيذ مشاريع جديدة أو توسعة منشآت قائمة.
فرصة جديدة تلوح في الأفق
ومع تراجع التضخم مؤخراً وانخفاض أسعار مواد البناء والمواد الأولية، يرى خبراء الاقتصاد أن الوقت مناسب لإعادة النظر في آلية الإقراض المصرفي. ويقترحون إطلاق برامج قروض جديدة موجّهة للمشاريع الإنتاجية، على أن ترفق بشروط رقابية لضمان تنفيذ المشاريع فعلاً، وتتبع مراحل البناء والتشغيل.
ورغم كل الصعوبات، لا تزال سورية تملك عوامل قوية للعودة إلى الإنتاج، مثل اليد العاملة الكفوءة والموارد المحلية التي يمكن الاستفادة منها عبر مشاريع زراعية وصناعية تسهم في تأمين المواد الأولية محلياً.
تجارب الدول المتقدمة تُظهر أن التمويل الذكي يلعب دوراً حاسماً في دفع عجلة الإنتاج، حيث تتجه العديد من الحكومات لتأمين نصف تكلفة المشروع على الأقل بقروض بضمانات حقيقية، ما يشجع المستثمرين ويعزّز الاقتصاد الوطني.
B2B



