خطوات معقدة لتأسيس الجيش السوري الجديد

تعمل وزارة الدفاع السورية على وضع أسس لتشكيل جيش جديد، وذلك عقب الإعلان عن حل الجيش السابق والأجهزة الأمنية في نظام الأسد المخلوع، في 29 يناير الماضي، خلال ما أُطلق عليه “خطاب النصر”.
وتثار العديد من التساؤلات حول كيفية بناء الجيش الجديد والصعوبات التي تعترض هذه العملية، لا سيما فيما يتعلق بدمج الفصائل المسلحة وانضمام “قسد” إلى هذا المشروع.
في الوقت ذاته، تشهد العلاقات السورية-التركية تطورات ملحوظة على الصعيدين الأمني والعسكري، حيث بدأ الملحق العسكري التركي، المقدم حسن غوز، مهامه رسميًا في دمشق في 5 مارس الجاري. كما أكدت أنقرة في أكثر من مناسبة استعدادها لدعم الجيش السوري في حال طلبت دمشق ذلك.
ورغم عدم صدور تصريحات رسمية من وزارة الدفاع السورية حول تقدم عملية إعادة الهيكلة، إلا أن تسريبات أشارت إلى تعيين عدد من قادة الفصائل المسلحة في مناصب قيادية ضمن الجيش الجديد، من بينهم محمد الجاسم (أبو عمشة) وسيف الدين بولاد (أبو بكر).
استفادة من الضباط المنشقين وخطة للإصلاح
في 16 مارس الجاري، صرّح العميد محمد منصور، رئيس شؤون الضباط في وزارة الدفاع السورية، بأن الوزارة تعمل على آليات تتيح الاستفادة من خبرات الضباط المنشقين بشكل فعّال، مع التأكيد على أنهم جزء لا يتجزأ من المؤسسة العسكرية، ومن حقهم الحصول على التكريم والمكانة التي يستحقونها.
وأوضح منصور، في حديث لوكالة الأنباء الرسمية “سانا”، أن إعادة بناء الجيش السوري ستجمع بين الخبرة والتحديث، مشيرًا إلى أن الضباط المنشقين سيتم توظيفهم وفقًا لاختصاصاتهم بما يضمن نقل خبراتهم إلى الأجيال القادمة، مما يعزز الجاهزية القتالية ويرسخ العقيدة العسكرية للدفاع عن الوطن وسيادته.
بدوره، كشف وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” في 7 فبراير، أن قرابة 100 فصيل مسلح في سوريا وافقوا على الانضمام إلى وزارة الدفاع. كما شهدت الوزارة اجتماعات متكررة بين وزير الدفاع ورئيس الأركان السوري، علي النعسان، لمتابعة خطوات دمج الفصائل ضمن الجيش الجديد.
وفي 21 يناير، أوضح أبو قصرة، خلال حديثه لمجلة “المجلة”، أن العمل جارٍ على بناء جيش يكون محل احترام الشعب، وأن الهيكلة ستتم وفق قوانين واضحة ترسم معالم المؤسسة العسكرية الجديدة. وأكد أن الأولوية حاليًا هي استيعاب الفصائل المسلحة داخل الجيش، مع توزيع القوات بشكل استراتيجي وفق الجغرافيا السورية.
وأشار أبو قصرة إلى أنه يعتمد خططًا مرحلية، حيث يضع أهدافًا يجب تحقيقها كل ستة أشهر، مؤكدًا أن الانتقال من الاجتماعات مع الفصائل إلى خطوات عملية هو التحدي الأكبر.
تحديات في الدمج وإعادة التنظيم
يرى الباحث في الشؤون العسكرية، نوار شعبان، أن أبرز العقبات أمام تشكيل الجيش السوري الجديد تكمن في التعدد الفصائلي والتشرذم العسكري، إذ لم تكن هناك قوة عسكرية موحدة خلال العمليات القتالية، بل شاركت فيها عدة فصائل مثل “هيئة تحرير الشام”، “الجيش الوطني”، “الجبهة الوطنية”، و”جيش سوريا الحرة”، بالإضافة إلى فصائل الجنوب ومقاتلي التنف وقوات “قسد”.
وأشار شعبان إلى أن لكل فصيل طبيعته التنظيمية الخاصة، مما يجعل إعادة دمجها في كيان عسكري واحد عملية معقدة وتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين. ورغم أن العديد من الفصائل أبدت استعدادها للاندماج خلال “مؤتمر النصر”، إلا أن الجوانب التقنية والإدارية لا تزال غير محسومة، فيما بدأ العمل فعليًا على تشكيل ألوية عسكرية وتكليف قيادات لها.
أما فيما يتعلق بالضباط المنشقين، فقد صنّفهم شعبان إلى مجموعتين: الأولى تضم منشقين انخرطوا في القتال إلى جانب الفصائل المسلحة، بينما تضم الثانية أولئك الذين أقاموا في مخيمات على الحدود التركية ولم يمارسوا العمل العسكري لسنوات.
وأكد أن إعادة دمج هؤلاء تحتاج إلى تقييم دقيق لمعرفة مدى إمكانية استفادة الجيش من خبراتهم، مع الإشارة إلى أن ليس كل المنشقين يجب أن يكونوا ضمن المؤسسة العسكرية الجديدة.
آليات مقترحة لإعادة الهيكلة
من بين الاستراتيجيات المطروحة لإعادة هيكلة الجيش السوري، يبرز مفهوم “DDR” (نزع السلاح، التسريح، وإعادة الدمج)، وهو برنامج عسكري يُطبّق في حالات التحول من النزاع إلى الاستقرار. وتشمل مكوناته:
جمع الأسلحة من كافة الأطراف ووضع آليات لمنع إعادة استخدامها.
تسريح المقاتلين من الفصائل المسلحة وإعادة تأهيلهم للاندماج في المجتمع.
توفير برامج تدريب مهني للمقاتلين السابقين وإشراكهم في مشاريع اقتصادية لضمان استقرارهم الاجتماعي.
“قسد” ومستقبل اندماجها في الجيش
يعدّ دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن الجيش السوري الجديد تحديًا إضافيًا، نظرًا لتركيبتها المعقدة التي تضم وحدات حماية الشعب، التشكيلات العربية، قوات “أسايش”، والمجالس العسكرية في دير الزور وغيرها.
في 10 مارس، وقع الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، اتفاقًا يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” ضمن إدارة الدولة السورية.
وفي 13 مارس، أكد المتحدث الرسمي باسم “قوات الشمال الديمقراطي”، محمود حبيب، أن المفاوضات جارية لإيجاد صيغة توافقية لدمج القوات، مشددًا على ضرورة تحقيق توازن يرضي جميع الأطراف.
التعاون العسكري مع تركيا.. فرصة لتعزيز القدرات
يرى مدير مركز “رصد للدراسات الاستراتيجية”، العميد عبد الله الأسعد، أن التعاون العسكري المحتمل بين سوريا وتركيا قد يسهم في تطوير الجيش السوري الجديد عبر الاستفادة من الخبرات القتالية التركية.
وأشار الأسعد إلى أن توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين من شأنه أن يعزز قدرات الجيش السوري، سواء من خلال تدريب الضباط أو دعم المؤسسة العسكرية بأنظمة قتالية متطورة.
وفي 17 مارس، كشفت صحيفة “حرييت” التركية عن نية أنقرة تعيين مستشار عسكري للجيش السوري الجديد، في إطار تعهدها بدعم قدراته الأمنية والدفاعية. كما أكدت الصحيفة أن تركيا تخطط للمساهمة في إعادة هيكلة الجيش السوري وتزويده بتقنيات عسكرية متقدمة لتعزيز إمكانياته.
نحو جيش جديد بقدرات حديثة
بينما تتواصل الجهود لإعادة بناء الجيش السوري، يظل التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين مختلف الفصائل العسكرية، وضمان استيعاب الضباط المنشقين، إلى جانب تحسين العقيدة القتالية وتطوير الهيكلية التنظيمية. ومع استمرار المفاوضات الداخلية والدولية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة الجيش السوري الجديد على تحقيق الاستقرار الأمني والعسكري في المرحلة المقبلة.
عنب بلدي



