الاخبار

بشار الجعفري.. القافز من السفينة الغارقة

لم يكن خيال أي متابع للشأن السوري ليذهب -على الأرجح- إلى أن الدبلوماسي المخضرم بشار الجعفري سينقلب ضد “ولي نعمته” الرئيس المخلوع بشار الأسد بهذه السرعة وهذه الطريقة، التي شملت تحولا من الشيء إلى نقيضه، وكأنه لم يخدم نظام آل الأسد، ويدافع عن جرائمهم في المحافل الدولية، مستغلا ثقافته ومهارته، كما لو كان محامي الشيطان.

فبعد ساعات من سقوط نظام الأسد الابن في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي وفراره إلى روسيا، فاجأ الجعفري العالم -وهو في منصب السفير السوري في موسكو- بهجوم على الأسدين.

ففي كلمة ألقاها خلال احتفال في مقر السفارة بالعاصمة الروسية قال الجعفري “ربما تتفاجؤون لو أقول إنه لم يكن هناك نظام بأي مرحلة، لو كان هناك نظام لدافع عن نفسه، بل كانت هناك منظومة فساد ومافيا، رهنت مصالح البلاد لخدمة مآربها الشخصية، ولذلك سقطت بهذه السرعة”!

وفي محاولة للتملص من مواقفه السابقة التي شهدها العالم وعنوانها الدفاع المستميت عن النظام، قال الجعفري: “في الأمم المتحدة كنت ابتدعت كلمة بلادي ووطني، ولم أكن أذكر النظام أو رأسه، لأن بلادنا هي التي تجمعنا، وكان يوجَّه لي اللوم على ذلك”!
إثباتات معاكسة

وبدا وكأن الرجل الذي يقترب من السبعين، يريد دفن ماضيه الداعم للنظام بقوله إن “العاملين في السفارات والجامعات وغير ذلك هم بالنهاية موظفون، وهم غير مسؤولين عن أخطاء النظام السابق، ولا فائدة من صب جام الغضب على مؤسسات الدولة”. علما أن تدرج الجعفري في المناصب يقدم إثباتات معاكسة.

فبين عامي 1991-1994 عمل الرجل سكرتيرا أول ومستشارا في البعثة السورية الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ثم وزيرا مستشارا بالسفارة السورية في باريس 1997-1998، ثم وزيرا مفوضا وقائما بالأعمال في السفارة السورية بإندونيسيا ما بين 1998 و2002.

وفي العام ذاته تولى إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية السورية، وظل فيها حتى عُين مندوبا لبلاده لدى مقر الأمم المتحدة الأوروبي في جنيف عام 2004، إلى أن اختير عام 2006 مندوبا دائما لسوريا بمقر الأمم المتحدة المركزي بنيويورك، خلفا لفيصل المقداد الذي أصبح وزيرا للخارجية، ثم نائبا للرئيس.

وفي إطار سعيه للتبرؤ من ماضيه بتصوير نفسه على أنه مجرد موظف ينفذ أوامر النظام، قال الجعفري “كلنا الآن فرحون بالتغيير، ولا نريد أي تشويش على ذلك.. كنا نعرف أنه كان هناك خطأ.. لكن هناك أناسا مسؤولين عنه، وآخرين لا علاقة لهم به”!

كما حاول استغلال توجه نظام الحكم الجديد نحو المصالحة قائلا “سوريا تحتاج إلى كل أبنائها، وآلية الحوار الوطني ناجعة، لأنها تضم كل مكونات المجتمع السوري، ومهمته النجاح بإيصال سوريا من حكومة انتقالية إلى حكومة تمثل كل السوريين”.

ورغم تجاهل الإدارة الانتقالية في دمشق لموقف الجعفري المستجد، فإن آراء السوريين -الذين عاشوا ويلات النظام، ويعرفون دور الجعفري كأحد أذرعه في الخارج- عكست غضبا ورفضا لأي دور للدبلوماسي “التائب”، في عهد ما بعد الأسد.

ووصف ناشطون مناوئون لنظام الأسد ما أقدم عليه الجعفري بأنه “تكويعة الموسم”، حيث تشير كلمة “تكويعة” في اللهجة السورية الدارجة إلى التحول المفاجئ في المواقف من النقيض إلى النقيض

دليل إدانة

بل إن بعض الأصوات اعتبرت أن ما قاله الجعفري -الذي شغل منصب مندوب سوريا في الأمم المتحدة لنحو 16عاما- يمكن استغلاله في محاكمة رموز نظام الأسد، بما في ذلك الجعفري نفسه.

وفي هذا السياق قال محمد نور الموسى رئيس حزب بناء سوريا الديمقراطي وأحد معارضي النظام المنهار، في بيان على مواقع التواصل، “إن تصريحات الجعفري الحالية” تُعد اعترافًا ضمنيًّا بوجود جرائم هو نفسه قد ساهم في الدفاع عنها على المستوى الدولي، والأرشيف موجود لدى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة”.

وأضاف “التصريحات الحالية للسفير الجعفري تحمل وزنًا قانونيًّا يمكن أن يُستخدم كدليل إضافي في أي تحقيقات دولية حول جرائم النظام السوري، باعتبارها شهادة من داخل النظام ذاته وصادرة عن مسؤول سابق رفيع المستوى”.
مجلة الشراع

يشار أيضا إلى أن الجعفري لم يكتف ببيان الانقلاب على نظام الأسد، بل واصل الإعراب عن تحوله ضد النظام بمقال نشره في موقع مجلة الشراع اللبنانية في 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فقال مخاطبا بشار الأسد “بينما تنعم أنت وزوجتك وأولادك وحاشيتك بأجمل ما يتمنى الإنسان في بلدي… لا تطلب مددا حين تشتري سيدتك الأولى (سيدة الياسمين) آلاف العقارات والأراضي والمشاريع وتتشدق علينا بالصبر، والصمود بينما أقرباؤها يتملكون البلد.. لا تطلب المدد”!

ولفت الانتباه بشدة قوله “لما تكون الجبن والنذالة بدمك لدرجة الهروب بلا أي كلمة تعتذر فيها للشعب من أمهات الشهداء.. من جرحى الحرب اللي ياما باعت فيهم واشترت مدامتك على الشاشات وكبوهن بعد التصوير بدقيقة وكأنهم حشرات.. بلا أي تصريح اعف فيه الشعب اللي وقف معك من خبثك وتكبرك ومحورية الكون حولك وإنك الفيلسوف الوحيد اللي ما بيفهم.. إنك العروبي الوحيد والجبل العنيد والحصن العتيد.. لا تطلب المدد”!

عندما يصدر هذا الكلام عن الجعفري يبدو غريبا ومفاجئا، فطالما كال الرجل المديح لنظام الأسد، وحاول تصويره على أنه مظلوم يتعرض لمؤامرة دولية إقليمية، كما حاول وصم المعارضة المسلحة، والثورة الشعبية ضده بالإرهاب، وسبق أن هاجم رئيس الإدارة الانتقالية الحالي أحمد الشرع، ووصفه بالإرهابي.
كبير المفاوضين

علما بأن تولي الجعفري منصب مندوب سوريا الدائم في الأمم المتحدة تزامن مع وقوع النظام تحت ضغط اتهامه بالوقوف وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، لكنه لم يشتهر إعلاميا في أروقة الأمم المتحدة إلا إثر اندلاع الثورة السورية ضد النظام منتصف مارس/آذار عام 2011.

وتمثل دوره في هذه الحقبة بتبرير فظائعه التي ارتكبها في حق قوى الثورة التي دأب على وصفها بأنها “جماعات إرهابية”، وهو ما أهله لأن يختاره هذا النظام ليكون “كبير المفاوضين” باسمه للمعارضة السورية في مؤتمر جنيف2 مطلع عام 2014.
صور خاصة للجزيرة تظهر جانبا من الجرحى والقتلى والدمار جراء الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية بريف دمشق
جرحى وقتلى جراء الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية بريف دمشق (الجزيرة)

وفي جولات التفاوض اللاحقة، أي في 2015 و2016 وخلال تلك المفاوضات، كان حريصا على توجهات النظام بألا تسفر عن أي اختراق في ظل المواقف المتصلبة له، وعدم الاعتراف بشرعية المعارضة وبحقيقة الثورة.

وفي إطار دفاعه عن نظام بشار الأسد؛ نفى الجعفري ارتكاب النظام أي مجازر أو انتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا، ومن ذلك نفيه لقصف غوطة دمشق بالسلاح الكيميائي في صيف 2013.

كما أنكر وجود أي كارثة إنسانية في بلدة مضايا السورية التي تعرضت لمجاعة تم توثيقها إعلاميا بالصوت والصورة بسبب الحصار الطويل.

وقال الجعفري وقتها إن “الحكومة السورية لم ولن تمارس أي سياسة تجويع ضد شعبها”. وادعى أن “التنظيمات الإرهابية سطت على المساعدات الإنسانية التي أرسلت إلى المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها”!

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى