سوريا.. “دلّة مزعل” أندر الدلال العربية تشق طريقها إلى “اللوفر”

رغم دراسته للأدب العربي، اختار الحاج علي مزعل تكريس حياته لمهنة صناعة دلال القهوة العربية، التي توارثها عن أجداده. فقد نشأت بينه وبين هذه المهنة علاقة حب عميقة، تربطه بكل ما يتعلق بالقهوة وطقوس الضيافة التي تجسدها.
يتعامل الحاج علي مع النحاس الأحمر كما لو كان صديقاً مقرباً، مستخدماً مهارته وحرفيته في تشكيل الدلال بعناية فائقة. لمن يزور ورشته، تبدو طرقاته على المعدن كأنها أنغام موسيقية، وهو يُشكّل المصب الذي يعتبر رمزاً لمكانة المُضيف وكرمه في ثقافة الضيافة.
في دير الزور والمناطق المحيطة بها، تعرف القبائل جيدًا “دلة مزعل”، التي أصبحت رمزًا للعائلة على مر السنين. لكن بعد سيطرة تنظيم “داعش” على المنطقة، اضطر الحاج علي للفرار مع أسرته، مصطحباً معه القليل من الأدوات التي تمكّن من إنقاذها.
بعد أن استقر في ريف دمشق، فقد الحاج علي جزءاً كبيراً من زبائنه، الذين كانوا من أبرز القبائل العربية، لكنه رفض التخلي عن هذه المهنة التي ورثها كأمانة من أسلافه. فكيف له أن يتخلى عن إرث يمتد لـ250 عامًا، خاصة وأن “دلة مزعل” أصبحت جزءاً من التراث وتعرض حتى في متحف اللوفر بباريس.
الحاج علي يشرح عملية صناعة الدلة، التي تخضع لأكثر من 40 مرحلة، تبدأ بجمع القطع ثم تجميرها، وصولاً إلى تشكيل خصر الدلة، ثم عمليات التنعيم والتلميع لتتخلص من الشوائب. هذه الحرفة تعتمد على أدوات خاصة كالمطارق والسندان، لكن نقص الأدوات بعد النزوح السريع يجعل الحاج علي يعاني من صعوبة توفير المعدات الضرورية.
ورغم التحديات، يصر الحاج علي على تمرير هذه الحرفة لأبنائه، كما ورثها عن جده الأكبر الذي صنع أول “دلة مزعل” ووضع عليها ختمه. يؤكد الحاج علي أن هذه المهنة ليست مجرد صناعة، بل تحمل رموزاً ودلالات تتعلق بالكرم والأصالة.
الحاج علي لا يكتفي بصنع دلال القهوة فقط، بل يقدم “طقم دلال مزعل”، الذي يتكون من 12 دلّة بأحجام مختلفة، أصغرها “المصب” وأكبرها “الكمكوم”، الذي يُستخدم لغلي القهوة. حجم “الكمكوم” يشير إلى مكانة صاحبه في القبيلة؛ فكلما كبر حجمه، زادت مكانة صاحبه كشيخ أو وجه بارز.
يأمل الحاج علي أن تستمر هذه الحرفة مع أبنائه وأحفاده، مصراً على الحفاظ على إرث جده الأكبر. وكما يقول، “هذه المهنة ليست مجرد عمل، بل هي رابط بين الأجيال”.
واختتم الحاج علي حديثه ببيت شعر شعبي يردده بفخر: “هلي منكم تعلمت الوفا والطيب… هلي يا أهل المحبة والدلال”.
إرم نيوز



