الضحايا المدنيون في الغارات الإسرائيلية على سوريا.. ماذا يقول القانون؟

خلال أسبوع واحد فقط استشهد 12 مدنيا سوريّا جراء ضربات جوية نسبت لإسرائيل واستهدفت عدة مناطق من البلاد، ووفقا لنشطاء حقوقيين وسكان تحدثوا لموقع “الحرة” لم تكن هذه الحصيلة الأولى من نوعها على صعيد الضحايا من غير المقاتلين أو المنخرطين بأعمال عسكرية، وربما لن تكون الأخيرة أيضا بناء على مسار القصف القائم.
واستهدفت آخر الضربات بناء سكنيا في منطقة تعرف بأبنية الـ14 بحي المزة بدمشق، وأسفرت قبل يومين عن استشهاد ما لا يقل عن 9 مدنيين، بينهم 4 أطفال و3 سيدات إحداهن طبيبة، كما أصيب قرابة 11 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.
ماذا يقول القانون الدولي؟
يشرح الحقوقي السوري محمد العبد الله، وهو مدير مركز “العدالة والمساءلة” في واشنطن، أن القانون الدولي لا ينص على أن عدد الضحايا المدنيين في أي ضربة عسكرية “يجب أن يكون صفر”.
لكنه يوضح في المقابل لموقع “الحرة” أن القانون ذاته يحدد معايير لهذه الضربات.
ومن بين تلك المعايير: يجب أن يكون الهدف عسكريا مشروعا، وأن يكون الطرف المهاجم أخذ الحيطة والحذر للتمييز بين المدنيين والمقاتلين في مكان الضربة.
ويجب أن يكون هناك جدوى عسكرية من الهدف، وأن يكون هناك نسبة وتناسب بالهدف والسلاح المستخدم، وألا يتسبب بـ”معاناة غير ضرورية”.
ماذا عن وضع سوريا؟
في ما يتعلق بالضربات المرتبطة بإسرائيل في سوريا يقول الحقوقي السوري إنه يجب تحليل كل ضربة وحادثة على حدة، وفقا للمعايير المذكورة سابقا والتي يحددها القانون الدولي.
وعند التحليل يجب الإجابة عن تساؤلات من قبيل: هل الهدف عسكري مشروع؟ هل الشخصية المستهدفة استخباراتية؟ هل تم نسف المبنى بأكمله لقتل الشخص أو استهداف الشقة أو المكتب الموجود فيه؟ ما حجم المتفجرات ونوعها؟ وما زاوية تسليط الصواريخ، كون هذه العملية يكون لها دور في انفجار غرفة أو طابق بأكمله؟
وبعد ذلك يضيف العبد الله أنه تبدأ عملية معاينة الحالات مع الهدف العسكري.
الحقوقي السوري يطرح مثلا تقريبيا لمعاينة الحالات واستخلاص النتائج بقوله: “عندما يقتل شخص واحد برتبة عسكرية متدنية وفي مقابله 20 مدنيا فنحن هنا أمام جريمة حرب”.
وفي المقابل “إذا قتلت شخصية قيادية لها وزن استخباراتي وذات جدوى عسكرية كبيرة وراح في مقابلها 3 مدنيين فلن تجد أي محكمة في ذلك جريمة حرب”، بحسب المثال الثاني الذي طرحه العبد الله.
يؤكد الحقوقي السوري أن القانون الدولي ينص أنه على عاتق الطرف الذي قام بالضربة التحقيق بمسألة سقوط مدنيين إن استطاع ونشر اعتذار وتعويض الضحايا، ويشير إلى أن “مقتل مدنيين جراء ضربات لا يعتبر جريمة حرب في حال تم إثبات أن الطرف المهاجم كان ملتزما بالمعايير المطبقة”.
في غالب الأحيان تنشر القليل من التسجيلات المصورة والصور التي توثق مكان الضربات الإسرائيلية على شقة أو بناء، وتكون في معظمها على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك كانت ضربة المزة الأخيرة استهدفت تجمعا سكنيا كبيرا يعرف محليا بمباني الـ14، وأظهر بث مباشر للتلفزيون السوري آثار دمار في شقتين وأضرار مادية في السيارات المركونة هناك.
“أضرار جانبية”
رغم أن منطقة المزة تركزت فيها غالبية الاستهدافات التي أسفرت عن ضحايا مدنيين, كانت حوادث مشابهة حصلت في مدن سورية أخرى كحمص الواقعة وسط البلاد.
وفي هذه المدينة أسفر قصف نسب لإسرائيل، في فبراير 2024، عن انهيار بناء كامل قبالة الملعب البلدي، واستشهاد 4 شبان بداخل شقة وامرأة مسنة تدعى نبيلة رسلان مع ابنها الشاب محمد الحسن الموصلي.
وفقا لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” لم تنشر القوات الإسرائيلية أي تحذيرات للمدنيين بمغادرة المباني قبل استهدافها. كما لم يتم تمييز المدنيين عن المقاتلين في هجوم المزة الأخير، ولم تنشر أيضا أي صور أو فيديوهات تثبت وجود مقاتلين أو معدات عسكرية في المنطقة المستهدفة.
ويوضح العبد الله أنه من الناحية النظرية يستطيع أهالي الضحايا المطالبة بالتعويضات.
لكن عمليا فإن الأمر يكاد يكون مستحيلا، إذ لا يستطيع أهالي الضحايا الوصول للقضاء الدولي أو الإسرائيلي، وحتى أنهم لا يستطيعون قبول تعويضات من إسرائيل بسبب وضع الحرب، ولاعتبار يتعلق بشق قانوني في سوريا.
وفي المقابل يعيد التذكير بأن “مبدأ النسبة والتناسب” يحظر عموما الضربات التي من المتوقع أن يكون فيها ضحايا مدنيون أو جرحى أو تحدث ضررا بالأعيان المدنية، وذلك بصيغة لا تكون متناسبة مع الجدوى العسكرية من الضربة.
ويكمل حديثه بالتأكيد على الشق المتعلق بماهية الهدف، قائلا: “أن تضرب مجندا إيرانيا مقيما في بناء وتقتل 20 مدنيا فهذا الأمر جريمة حرب.. أن تضرب غرفة بصاروخ نائب فيلق القدس و3 مدنيين سيتم اعتبار الضحايا أضرارا جانبية، ولن ترى أي محكمة في الحادثة بعد مراجعتها جريمة حرب”.
من يتحمل المسؤولية؟
يرى بروس فاين، المساعد السابق لنائب وزير العدل الأميركي والخبير القانوني أن إسرائيل من المحتمل أنها “قد ارتكبت جرائم حرب من خلال ضربات تعرض حياة المدنيين للخطر، وتسبب دمارا أيضا على نطاق واسع”.
ومن جانبه يشير رئيس مركز الشرق الأوسط والقانون الدولي في كلية سكاليا للقانون بجامعة جورج ماسون، يوجين كونتوروفيتش إلى أن “استهداف الأفراد العسكريين مسموح به بطبيعة الحال بموجب القانون الدولي”.
ويقول لموقع “الحرة” إن “الخسائر المدنية التي تحدث نتيجة لضربة قانونية على أهداف عسكرية لا تجعل الضربة غير قانونية ـ فلم تخض أي حرب دون وقوع خسائر مدنية”.
كما يعتبر أنه “من الواضح تماما أن مثل هذه الضربات قانونية، خاصة بالنظر إلى أهمية الأهداف”، وبالنظر إلى أن كل من إيران وحزب الله في حالة حرب مع إسرائيل.
وفي مقابل الضربات والطرف المنفذ لها يحظر القانون الدولي بشكل واضح في النزاعات الدولية وغير الدولية استخدام المدنيين كدروع بشرية، كما يوضح الحقوقي السوري، محمد العبد الله.
المصطلح المذكور يعني “التموضع المتعمد لأهداف عسكرية بين مدنيين أو بين أشخاص عاجزين عن القتال، لتحقيق هدف واضح هو منع الطرف الآخر من ضرب هذه الأهداف العسكرية”.
وبالتدقيق فيه لاستخلاص النتائج يثار تساؤل مفاده: “هل هناك نية واضحة من إسكان هؤلاء الأشخاص وإسكانهم في الشقق للحيلولة دون استهدافهم لردع الطرف الآخر بالمعركة وهي إسرائيل؟
ويستبعد الحقوقي السوري أن يكون هدف إقامة الأشخاص التابعين لإيران وحزب الله بين الأحياء السكنية لردع إسرائيل عن تنفيذ الضربات.
ويرى أنه “يتم وضعهم في الأبنية السكنية لحماية هوياتهم”، رغم أن الاختراق الاستخباراتي يبدو وأنه يكشف كل هذه العملية.
ويعتقد الباحث السوري في مركز “حرمون للدراسات المعاصرة”، نوار شعبان أن “الهدف من إقامة قادة وعناصر حزب الله وإيران في مناطق مدنية وخاصة في المزة هو التخفي”.
ويضاف إلى ذلك هدف آخر يذهب باتجاه محاولة “الانخراط في بيئة غير مكشوفة كما الحال في منطقة السيدة زينب بدمشق مثلا”.
ويوضح شعبان أن “الضربات الإسرائيلية الحاصلة تركز على استهداف هدف معين وليس إنهاء التواجد الإيراني والخاص بحزب الله في المنطقة، وهو الأمر الذي يعيه الطرفان”.
ويشير إلى أن “عملية تأجير الشقق السكنية أو إقامة القادة والعناصر فيها يتم إما عبر سماسرة ووسطاء أو من خلال دفع مبالغ مالية طائلة تزيد عن تلك التي يدفعها المقيمون العاديون بغرض السكن”.
الحرة بتصرف



