تعرف على القاتل الكهرومغناطيسي الذي تطوره أميركا والصين

استيقظت كاثرين على صوت غامض في منتصف الليل، مشوشة بين الحقيقة والحلم. كانت تعمل كمسؤولة تجارية في القنصلية الأميركية بمدينة قوانغتشو الصينية.
حاولت العودة إلى النوم، لكن نباح كلبيها المتواصل، وألم رأسها المتزايد، منعاها من ذلك.
في نفس المبنى، كان زميلها مارك ليندسي، ضابط أمن بوزارة الخارجية الأميركية، يواجه تجربة مشابهة. هو وزوجته شعرا بألم في الرأس وغثيان بعد سماعهما صوتاً غريباً من غرفة طفلهما.
في واشنطن، وبعد ستة أشهر، استيقظ مايلز تايلور، رئيس الأركان بوزارة الأمن الداخلي، على صوت يشبه النقيق، ولاحظ شاحنة بيضاء غادرت بسرعة عند رؤيته.
تكرر هذا الأمر مع هؤلاء الأفراد على مدار عدة ليالٍ، مصحوباً بأعراض صحية متزايدة، منها الصداع والغثيان والدوار، وصولاً إلى نزيف الأنف وضعف الذاكرة والبصر.
تم ربط هذه الأعراض بمتلازمة تُعرف باسم “متلازمة هافانا”، التي أصابت دبلوماسيين أميركيين في كوبا عام 2016، حيث ادعوا تعرضهم لهجوم بموجات صوتية غامضة.
يرى الخبراء أن أجهزة الميكروويف المحمولة قد تسبب أضراراً بالدماغ تشبه تلك التي ظهرت على المصابين. وقد طورت عدة دول، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، أسلحة طاقة موجهة يمكن حملها ونقلها بسهولة.

مارك ليندسي، بخبرته في تحليل التهديدات الإلكترونية، يعتقد أن ما أصابه كان نتيجة لهجوم بأسلحة طاقة ذات ترددات راديوية عالية الطاقة.
وتشير تقارير إلى أن هذه الأنظمة يمكن أن تسبب أضراراً جسيمة، بما في ذلك الموت، إذا تعرض لها الشخص لفترة طويلة.

يذكر تقرير نشرته مؤسسة بريطانية أن سوق أسلحة الطاقة الموجهة بلغ 6.4 مليار دولار عام 2023، ومن المتوقع أن ينمو بشكل كبير في العقد القادم.
تبرز الحاجة إلى حلول دفاعية فعالة ومنخفضة التكلفة كأحد الأسباب الرئيسية وراء هذا النمو، ما يدفع الجيوش حول العالم إلى تبني هذه التكنولوجيا بدلاً من الأنظمة التقليدية باهظة الثمن.

تختلف أسلحة الطاقة الموجهة عن الأسلحة التقليدية بأنها تعتمد على تكنولوجيا الموجات الكهرومغناطيسية للتأثير على أهدافها، سواء كانت معدات عسكرية أو بنية تحتية إلكترونية، ويمكن لبعضها التأثير على البشر، مما يسلط الضوء على الأهمية المتزايدة لفهم تأثيرات الطيف الكهرومغناطيسي.

تاريخياً، بدأ تطوير هذه الأسلحة لأغراض غير عسكرية، مثل السيطرة على الحشود ومكافحة الشغب خلال الستينيات.
لكن مع مرور الوقت، توسعت استخداماتها لتشمل التطبيقات العسكرية.

في عام 1978، اقترحت دراسة عسكرية تطوير تطبيقات غير قاتلة للأسلحة الكهرومغناطيسية، معتبرة أنها رحيمة مقارنة بالأسلحة التقليدية.
ورغم أن العديد من هذه الأسلحة لم تُستخدم على نطاق واسع خلال القرن الماضي، فإن التطور المستمر في التكنولوجيا، مثل أنظمة الرفض النشط وأساليب الدفاع الأخرى، يعزز دور هذه الأسلحة في المستقبل القريب، حيث تمثل خياراً جذاباً للجيوش التي تبحث عن تقنيات أكثر فعالية وأقل تكلفة.
يذكر بيردن أن الروس تمكنوا من تحقيق تقدم ملحوظ بفضل فريق الرادار العلمي الألماني الذي نُقل إلى موسكو بعد الحرب. خلال خمسينيات القرن الماضي، طوّر الاتحاد السوفياتي أجهزة كهرومغناطيسية قادرة على التأثير في الجهاز العصبي، مما يمكنها من إحداث شلل مؤقت لدى الأشخاص. ويشير بيردن إلى أن المخابرات السوفياتية كانت تتحكم في تطوير برنامج الطاقة المخصص لتطوير “سلاح خارق” أكثر فتكاً من القنبلة الذرية، حيث أحاطت السرية المطلقة بهذا البرنامج ولم يُسلم للجيش النظامي الروسي.
ويمضي بيردن إلى القول بأن حادثة غرق الغواصة النووية الأميركية ثريشر في أبريل 1963، التي أودت بحياة طاقمها، كانت بسبب استخدام الروس لأشعة كهرومغناطيسية نبضية أدت إلى تداخل مع دوائر التحكم في الغواصة، مما تسبب في فقدان السيطرة عليها وغرقها إلى أعماق كبيرة، الأمر الذي أدى إلى انفجارها. ويضيف بيردن أن هذا التداخل الكهرومغناطيسي كان قوياً للغاية لدرجة أنه استغرق أكثر من 90 دقيقة لإرسال إشارة طوارئ إلى السفينة المرافقة سكايلارك.
ورغم أن نظريات بيردن لم تُقبل على نطاق واسع في الأوساط العلمية وظلت تُعتبر مجرد تكهنات تفتقر إلى الأدلة القاطعة، إلا أنه يُقال أن أطباء أميركيين حصلوا على أحد تلك الأجهزة في ثمانينيات القرن الماضي. كان هذا الجهاز، المعروف باسم “ليدا”، يولد إشعاعات منخفضة التردد قادرة على تهدئة الأشخاص الخاضعين للتجارب، حتى أن أحد الأطباء وصفه بأنه بديل فعال للفاليوم للاسترخاء.
من جهة أخرى، صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية في عام 2011 إشعاعات التردد الراديوية كمواد مسرطنة. لذلك، يمكن أن تكون آراء الأطباء الغربيين وتوجهات تطوير هذه الأسلحة، التي تعتبر غير فتاكة، قد تأثرت بنقص الدراسات في مجال الإشعاعات الكهرومغناطيسية وقتها، وعدم الإلمام بتأثيراتها الطويلة الأمد.
نظام “ثور” وتطور الأسلحة الكهرومغناطيسية
لم يحقق سباق التسلح الكهرومغناطيسي تقدماً كبيراً في القرن الماضي، إذ كانت معظم التقنيات المطروحة آنذاك مجرد نظريات أو أسلحة قيد التطوير. ومع ذلك، تم استخدام بعض الأسلحة الكهرومغناطيسية مثل قنابل النبضات العالية الطاقة وأنظمة الموجات المليمترية، المعروفة باسم “أنظمة الرفض النشط”.
تعدّ أسلحة الموجات المليمترية جزءًا من أسلحة الطاقة الموجهة، مثل الليزر العالي الطاقة وأسلحة الميكروويف. تعمل هذه الأسلحة في مناطق مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي، مما يمنحها خصائص متنوعة بناءً على أطوالها الموجية وتردداتها، مثل قدرة الليزر على اختراق المعادن.
نظام “الرفض النشط” الذي طورته شركة رايثيون، يعتمد على إرسال موجات مليمترية بتردد 95 غيغا هرتز، تتفاعل مع الجلد البشري لتوليد حرارة تبلغ حوالي 53 درجة مئوية، مما يجعله فعالًا في تفريق الجموع أو السيطرة على الشغب. أما أسلحة الموجات الدقيقة فهي تنتج طاقة أكبر، مما يجعلها قادرة على إحداث ضرر دائم للهدف.
في السياق نفسه، تعمل وزارة الدفاع الأميركية على تطوير تدابير مضادة جديدة للتصدي لتهديدات الطائرات المسيّرة باستخدام أسلحة الموجات الدقيقة. كما أعلن البنتاغون عن خطط لإجراء عرض عسكري مضاد للطائرات المسيّرة يتضمن تقنيات تعتمد على الموجات الدقيقة.
ومن بين هذه التطورات، تم الإعلان عن نظام “ثور” الكهرومغناطيسي المضاد للطائرات المسيّرة، وهو سلاح يعتمد على الموجات الدقيقة ويتميز بإمكانية نقله جواً وإعداده خلال ساعات قليلة. كما كشف وزير مشتريات الدفاع البريطاني عن خطط لإلحاق أنظمة الطاقة الموجهة، مثل الليزر، بالسفن الحربية الجديدة.
التحولات الإستراتيجية
يمكن أن يؤدي امتلاك أسلحة كهرومغناطيسية متطورة إلى تغيير جذري في الحروب المستقبلية، حيث تتيح هذه الأسلحة إمكانية تعطيل أنظمة الاتصالات والمراقبة للخصوم، مما يمحو عقوداً من الاستثمارات التقنية. تُعدّ هذه الأسلحة فعالة بشكل خاص في تعطيل الأجهزة الإلكترونية للأعداء، مما يجعلها قادرة على ترك القوات البرية عمياء ومعزولة، بينما يحتفظ العدو بقدراته العسكرية المتقدمة.
تتميز هذه الأسلحة بسرعة انتقالها وسريتها، حيث تنتقل بسرعة الضوء ولا تترك أثراً صوتياً، مما يجعل من الصعب اكتشاف مصدر الهجوم. بالإضافة إلى ذلك، فإن تكلفة استخدامها منخفضة للغاية مقارنة بالأسلحة التقليدية، مما يجعلها خياراً اقتصادياً وفعّالاً في العمليات العسكرية.
ويتوقع الخبراء أن تشهد السنوات القادمة انتشاراً واسعاً لأسلحة الطاقة الموجهة في جيوش العالم، مع استثمار المزيد من الدول في تطوير هذه التقنيات المتقدمة، التي يمكن أن تعيد تشكيل ساحة المعارك في المستقبل القريب.
الجزيرة



