زيارة الرئيس الأسد إلى الصين.. كيف سيكون شكل العلاقة الجديدة بين بكين ودمشق؟

الحكومة الصينية اتخذت نهجًا دبلوماسيًا جديدًا يستند إلى إصرار أكبر في مواجهة السياسات الأمريكية وتعزيز العلاقات مع الدول التي سعت الولايات المتحدة إلى عزلها عن المجتمع الدولي، ومن بين تلك الدول تأتي سورية في المقدمة.
قبل فترة قصيرة، استقبلت بكين الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وأعلنت تعزيز العلاقات بين البلدين إلى مستوى “شراكة استراتيجية قادرة على التحمل”.
هذا المستوى هو الأعلى في العلاقات الدبلوماسية الصينية مع الدول، ويُشترك فيه سابقًا باكستان وروسيا وبيلاروس.. هل ستصبح سورية الدولة الرابعة التي تحظى بهذا المستوى؟
تركز الاهتمام الصيني بسورية على الجوانب الجيوسياسية بدلاً من الاقتصاد والثروات.
بالنسبة لبكين، تُمثل دمشق استثناءً إيديولوجيًا في منطقة الشرق الأوسط، بالنسبة للخيارات الفكرية والأيديولوجية والسياسية، بالإضافة إلى التنوع الثقافي والاجتماعي في المجتمع السوري.
سورية تمثل رصيدًا استراتيجيًا للصين نظرًا لمكانتها الجغرافية والثقافية والدور الذي تلعبه في منطقة الشرق الأوسط.
على الرغم من استمرار العلاقات الصينية مع سورية على مر السنوات، إلا أنها لم تصل إلى مستوى التأييد الصارم في مجلس الأمن، حيث استخدمت الصين حق الفيتو في السابق في مواضيع معينة.
السياسة الخارجية الصينية تعتمد على تقاطع المصالح والأيديولوجيا، مما ينعكس في توجهاتها نحو سورية ودعمها لوقف الحرب والمبادرات السياسية.
إن موقف الصين من الحرب في سورية يتناغم مع مبادئها في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتحقيق العدالة.
لكن العلاقة بين الصين وسورية لم تصل بعد إلى مستوى “شراكة استراتيجية” كما أشارت وسائل الإعلام.
هذا يمكن تفسيره بسبب الغموض والدبلوماسية الحذرة التي تتبعها البلدين، بكين تلتزم بتجنب تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، وذلك ضمن إطار مشروعها الاستراتيجي الكبير (مبادرة الحزام والطريق).
وسورية تدرك أيضًا أهمية العلاقة مع الصين وتفهم التوازنات الدولية. تبقى العلاقة بين البلدين مبنية على الاعتبارات الاستراتيجية وتحقيق المصالح المشتركة بالإضافة إلى مبادئ العدالة والسيادة الوطنية.
فيما يخص العلاقات بين الصين وسورية، يمكن أن نشير إلى أن الصين دعمت سورية بشكل دبلوماسي وإنساني، واحتفظت بسفارتها في دمشق وأيدت الجانب السوري في مجلس الأمن، كما لم تتردد في تقديم المساعدات الإنسانية لسورية، وخاصة خلال تفشي جائحة كوفيد -19 وبعد الزلزال الذي ضرب البلاد قبل بضعة أشهر.
إن الجانب الظاهر للعلاقة بين البلدين قد لا يشير بالضرورة إلى وجود شراكة استراتيجية رسمية بينهما.
ومع ذلك، يبدو أن هناك جانبًا آخر غير واضح يلعب دورًا أكبر في تطوير هذه العلاقة وجعلها تحمل طابعًا استراتيجيًا.
تميزت العلاقة بين الصين وسورية بالدبلوماسية الشعبية، حيث استغلت سورية جهود الصين في تعزيز نفوذها بشكل غير رسمي، وشهدنا زيادة في التبادلات الحزبية والاقتصادية بين البلدين، بالإضافة إلى زيادة عدد الطلاب السوريين الذين يدرسون في الجامعات الصينية بتمويل من الحكومة الصينية.
ومع ذلك، فقد كانت الزيارات الرسمية بين مسؤولي البلدين نادرة، ويبدو أن السفارتين تلعبان دورًا كبيرًا في إدارة وتعزيز تلك العلاقات.
لفتت زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى دمشق في يوليو 2021 انتباهاً كبيرًا، حيث قام بتهنئة الرئيس الأسد بفوزه في الانتخابات الرئاسية.
كانت هذه الزيارة تحوّلًا مهمًا في السياسة الخارجية الصينية وتشير إلى تزايد دور الصين في المناطق العالمية، وتأتي هذه الزيارة بعد أكثر من عقد من الزمن منذ زيارة مسؤول صيني بارز إلى سورية بعد بدء الأحداث في عام 2011.
خلال الزيارة، التقى وزير الخارجية الصيني بالرئيس الأسد وهنأه على فوزه، وتلقى الدعم الصيني لسورية في الحفاظ على سيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها.
وبعد الزيارة، دعت الصين إلى رفع العقوبات عن سورية وقدمت مبادرة لحل الأزمة تشمل احترام السيادة الوطنية والإسراع في إعادة الإعمار ومكافحة الإرهاب ودعم حل سياسي شامل.
يأتي هذا في ظل تصاعد التوترات بين الصين والولايات المتحدة، حيث تسعى الصين لتوسيع نفوذها في مناطق ذات أهمية استراتيجية، بما في ذلك الشرق الأوسط، رغم التحديات الكبيرة في تلك المنطقة.
لعقود عديدة، اعتبرت الولايات المتحدة أن المشاكل في منطقة الشرق الأوسط تعد “مشكلات صعبة التسوية”، وتتعلق بصراعات دينية يعود جذورها إلى قرون مضت.
ومؤخرا، تمكنت الصين من تعزيز التعاون مع العالم العربي، وبالأخص بعد القمة العربية الصينية في الرياض، هذا التفاعل شجع بعض الدول العربية على التقرب أكثر من سورية.
وقد أدى هذا التقارب إلى عودة سورية إلى جامعة الدول العربية وتقدم المبادرة العربية مع سورية، ورغم بطء التقدم في هذه المبادرة، إلا أنها لم تصل إلى نهاية مسدودة.
نجاح الوساطة الصينية أيضًا في التقريب بين السعودية وإيران وإعادة فتح السفارات وتبادل السفراء يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في العلاقات العربية مع سورية. بالإضافة إلى ذلك، تظهر الصين اليوم استجابة أكبر وأكثر انفتاحًا تجاه الأزمة السورية، بعيدًا عن المنافسة مع القوى العالمية الكبرى في المنطقة مثل إيران وروسيا.
في ظل التصاعد في الحملة ضد سورية، مع زيادة تواجد القوات الأمريكية والحديث عن ضرورة قطع الطريق بين سورية والعراق، يبدو أن الاستخبارات الأمريكية وفصائل من المنطقة تسعى لهذا الهدف. تزامن ذلك مع الاحتجاجات في الجنوب السوري والمعارك بين ميليشيات “قسد” وقوات العشائر في شمال وشرق سورية.
الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه السوريون ساهم بشكل كبير في تصاعد تلك الصراعات وزاد من مخاوف انتقالها إلى مناطق أخرى في البلاد.
يعزى السبب وراء هذه الاحتجاجات إلى العديد من العوامل، منها العقوبات الأمريكية التي تفرضها على سورية والتي ترى الحكومة السورية أنها السبب الرئيسي ومن جهة أخرى، يرى الكثيرون في سوري أن الفساد المتزايد والمرتفع هو سبب آخر.
الدخول الصيني في الأزمة السورية في هذا التوقيت يمثل دعمًا سياسيًا قويًا لسورية، ومن المؤكد أنه يجب أن يترافق مع دعم اقتصادي إضافي تحتاجه سورية بشدة.
زيارة الرئيس السوري إلى بكين من المتوقع أن تكون حدثًا تاريخيًا في العلاقات بين البلدين وعلامة مهمة في السياسة الصينية للنظام العالمي.
النظام الدولي الجديد الذي تسعى الصين لتطويره يعتمد بشكل كبير على العلاقات الاقتصادية والتجارية.
في هذا السياق، يمكن تعزيز التعاون بين البلدين في مجموعة من المجالات، مثل الربط الطرقي والسككي وخطوط الطاقة بين إيران والصين والعراق وسورية. وهذا يمكن أن يكون مشروعًا يعزز من التجارة ويسهم في تحقيق التنمية.
أيضًا، يمكن تعزيز التعاون في تطوير النظام المصرفي والبحث عن آليات دفع تستند إلى عملات غير الدولار الأمريكي.
ويمكن تعزيز العلاقات بين الغرف التجارية والصناعية والزراعية لإقامة آليات للتواصل المباشر بين رجال الأعمال في البلدين.
هناك مجالات كثيرة للتعاون بين سورية والصين تستفيد منها كلا البلدين وتعزز العلاقات بينهما.
وعلى الرغم من وجود عقبات بيروقراطية، يمكن أن يؤدي التفاهم المباشر إلى نتائج إيجابية.
وبالنظر إلى الاستعراض الصيني لقوتها في النظام العالمي، فإن هذا يمنح سورية فرصة لتعزيز علاقاتها مع الصين وتحقيق التنمية والاستقرار.
هذه الزيارة المرتقبة للرئيس السوري إلى بكين تعتبر حدثًا تاريخيًا قد يؤثر بشكل كبير على العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط وربما في العالم أجمع.
الميادين



