وصول أول قطار من روسيا للسعودية.. هل بدأت حرب طرق الشحن البرية؟

سيّرت موسكو يوم الأربعاء الفائت أول قطار حاويات إلى المملكة العربية السعودية، عبر المسار الشرقي لممر شمال- جنوب، انطلاقاً من محطة الشحن تشيليابينسك عبر كازاخستان وتركمانستان وإيران وصولاً للخليج العربي، إذ يطغى التنافس الاقتصادي والجيوسياسي على غيرهما من أشكال المنافسات الدولية الراهنة، وتشكل طرق النقل والتجارة إحدى ساحات هذا التنافس، وفي مسعاها لتحييد العقوبات الغربية الهادفة لتدمير الاقتصاد الروسي، بغية إيقاف آلة حربها العدوانية على أوكرانيا، عملت موسكو على حماية اقتصادها بالتوجه شرقاً مفعّلةً ممر النقل الدولي شمال-جنوب.
وإن كان التنافس الدولي في الحيز الجيوسياسي أمراً قديماً ومعهوداً، إلا أن بروزه في المنافسة الانتخابية حدث لافت ومستجد، وهو شهدته الساحة التركية في الانتخابات الرئاسية مؤخراً، حيث استبعد المرشح الرئاسي كمال كليشدار أوغلو أذربيجان من خط الربط السككي بين تركيا والصين، في مناكفة منه لسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
حينها ذكر أوغلوا إيران وتركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان، مهملاً ذكر أذربيجان في حديثه عن شبكة الربط السككي بين تركيا والصين، والمعروف ب “طريق الحرير الحديدي”. إهمالٌ قابله الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، بالتذكير بأن أذربيجان مركز نقل رئيسي في أوراسيا على الممر الأوسط بين أوروبا والقوقاز وآسيا، وبدوره أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مركزية أذربيجان في شبكة طريق الحرير، مستبعداً إيران، التي طرحها أوغلو بديلاً عن أذربيجان.
ورغم غرابة امتداد التنافس الانتخابي إلى الساحة الجيوسياسية، وتجاوز ما تمنحه الجغرافية الأذربيجانية من جسر وصل تركي إلى بحر قزوين وإلى دول آسيا الوسطى، ذات الأهمية التاريخية والاقتصادية لأنقرة، إلا أن الأكثر غرابة، إشراك إيران، المنافس الإقليمي لتركيا في دول الشرق الأوسط ووسط آسيا، سواءً على الريادة السياسية الإقليمية، أو على صدارة عقدة الربط التجاري الإقليمي والدولي وتنافسهما على لقب خزان الطاقة الإقليمي.
فإيران التي ذكرت قرباً وبعداً، كانت نقطة وصل في المشروع الصيني لكنها استبعدت منه نتيجة العقوبات الغربية المفروضة عليها، إضافة لعدم عضويتها في مجموعة العمل المالي، ونتيجة لذلك، تلاشت رغبة الصين تحت وطأة الخوف من تبديد أموالها في بلد مهدد بالعقوبات الدولية، في مشروعها الجيو-اقتصادي ذي الأصول والنتائج الجيو-سياسية.
وكان أول قطار قادم من الصين باتجاه أوروبا قد عبر نفق مرمراي في إسطنبول، من تحت مضيق البوسفور في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2019، مؤكداً بذلك مركزية تركيا والقوقاز في شبكة سكة الحرير الحديدية، فما هي هذه الشبكة؟ وما هي أهمية أذربيجان فيها؟
خط الحرير الحديدي
أخمد اتفاق موسكو عام 2020 لهيب المعارك الدائرة بين أذربيجان وأرمينيا، لكنه زاد التنافس الإيراني الأذربيجاني سخونة، لتضمّنه طريقاً يصل البر الأذربيجاني بإقليم نخجوان الأذربيجاني على الحدود التركية (يتضمن شبكة طرق سريعة عبر الأراضي الأرمينية، من ضمنها خط سكة حديد)، وبالتالي فتح الطريق أمام أنقرة إلى بحر قزوين و”العالم التركي”، مُفقداً إيران حدودها مع أرمينيا، وبالتالي اصطدام مشروعها للنقل والإمداد التجاري الإستراتيجي مع أوروبا عبر أرمينيا بحائط “زانجيزور”، الذي وصفته طهران بممر “الناتو الطوراني”، تسميةً ترجو طهران من ورائها إثارة الصين وروسيا لمشاركتها في مواجهته.
وخط الحرير الحديدي هو إحدى حلقات الممر الأوسط الواصل بين العاصمتين الصينية والبريطانية، ويعتبر الأخير جزءاً من المبادرة الصينية “الحزام والطريق”، التي تبنتها الصين عام 2013، وتستثمر فيها نحو 40 مليار دولار في مشاريع قدّرت تكلفتها الإجمالية بأكثر من تريليون دولار، تشمل تطوير البنية التحتية والاستثمارات في 152 دولة ومنظمة دولية في آسيا وأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط والأمريكيتين.
ويشمل الخط سكة حديد تمتد من كازاخستان إلى تركيا، وتعتبر سكة حديد “باكو-تبليسي-قارص” صلة وصل جيدة للعلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي عبر جنوب القوقاز، حيث شهدت السكة زيادة في نقل البضائع عبرها، إضافة لتحليها بأسعار منافسة لنقل الحاويات في اتجاه الممر الأوسط، عبر بحر قزوين.
وعليه، فإن إهمال أذربيجان خطأ فادح وقع به زعيم المعارضة التركية، كمال كليشدار أوغلو، حسب الصحافي والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي، علي أسمر، من الممكن أن يكون باعثه كون أذربيجان حليفاً مقرّباً جداً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو نتيجة قصر نظر سياسي صرف لدى المعارضة.
وتشارك أنقرة في إحياء طريق الحرير والتوابل، الذي يبدأ بقطار من تركيا مروراً بجورجيا وأذربيجان وتركمانستان وينتهي في الصين، وفي الوقت ذاته تمتلك خيارات عدة لنقل البضائع التجارية، وقد يمنح ممر “شمال-جنوب”، الذي يُعمل على تفعيله مؤخراً قيمة إضافية لطريق الحرير، دون تعارض أو إضرار بالمصالح التركية.
مضيفاً، تركيا وإيران دولتان إقليميتان وبينهم منافسة إقليمية ودولية كبيرة، لكن العقوبات والضغوط الغربية على إيران حدّت من نفوذها، وجعلتها أكثر حاجة إلى تركيا من حاجة الأخيرة إليها، لا سيما في الأمور المالية، فتركيا حالياً، هي منفذ اقتصادي ومالي لإيران، ولهذا السبب لن يكون بمقدور طهران تجاوز أنقرة في مجال شبكات الطرق الخاصة بالتجارة العالمية.
ولادة من رحم الصراع
استمرار الصراع الروسي الأوكراني، ولّد مشاكل لديمومة الممر الرابط بين الصين وأوروبا عبر الجغرافيتين الروسية والأوكرانية، ومن رحم هذه المشاكل ولد الممر الأوسط لوصل لندن ببكين عبر تركيا وجورجيا وأذربيجان وآسيا الوسطى، كأقصر طريق بين غرب الصين والاتحاد الأوروبي.
ونتيجة لطغيان العوامل الجيوسياسية على المصالح التجارية بين تركيا وإيران، تعتبر طهران منافساً قوياً لأنقرة في دول وسط آسيا وجنوب القوقاز، نظراً لموقع إيران كعائق أو جسر لوصول تركيا إلى هذه الدول التي تربطها بتركيا روابط تاريخية وعرقية وثقافية، مما يجعل ممر “شمال-جنوب” أداة قد تقرب بين الجانبين برأي البعض.
وممر “شمال-جنوب” مشروع نقل بري وبحري، يربط الهند بروسيا، عبر إيران وأذربيجان، ومنها إلى أوروبا، ومؤخراً وقّع الجانبان الروسي والإيراني اتفاقاً لتنفيذ شبكة سكة حديد رشت-أستارا، وهي حلقة من حلقات المسار الغربي لممر شمال-جنوب ضمن الأراضي الإيرانية، لكن على عكس ما يذهب إليه البعض، فإن “شمال-جنوب” يستهدف إزاحة تركيا عن خرائط النقل والإمداد من دول جنوب ووسط آسيا إلى شمال أوروبا، أو في أقل تقدير يجعل اليد الإيرانية هي العليا في مشاريع طرق النقل والإمداد الدولي المراد تشغيلها.
وبحسب الكاتب الصحفي أحمد الحسين، أن تكون أذربيجان خارج النفوذ التركي، وأن تكون خارج طريق الحرير الحديدي وفق ما صرّح به أوغلو خلق صدمة لدى الجانبين التركي والأذربيجاني، إذ اعتبرته باكو، “انتصاراً لأرمينيا وطعنة بقلب أذربيجان”، فوعود أوغلو لم تقف عند حدود عودة تركيا للغرب ورفض التمدد في البلقان وإفريقيا، لكنها تحولت بمقدار 180 درجة وصولاً للتقارب مع إيران على حساب إزاحة أذربيجان من الإستراتيجية التركية، مما يشكل خطوة قاتلة للأمة التركية، التي لا يمكنها دفن جذور العلاقة التاريخية بالدول الناطقة بالتركية.
الاقتصاد والتجارة مقود السياسة
في مغازلة منه لقطار النقل إلى الصين، وصفه وزير المواصلات والبنية التحتية التركية السابق، عادل قره إسماعيل أوغلو، أنه سيُسهم في تقريب بلاده من هدفها في حجز مقعد بين الاقتصادات العشرة الأولى عالمياً، حيث يحتل ملف النقل والمواصلات الخارجية مكانة متقدمة لدى صنّاع القرار التركي، مستفيدين من جغرافية بلادهم كحلقة وصل بين أوروبا وآسيا، مما يعزز مركزها على خرائط النقل البري العالمي، مُسهماً في صعودها على سلم الاقتصادات الإقليمية والعالمية الكبرى.
في المقابل، تسعى طهران لمنافسة أنقرة في هذا الجانب، وبالاستفادة من موقعها أيضاً، بكونها جسر عبور إلى أوروبا وبوابة وصول إلى وسط وجنوب آسيا، فطريق الترانزيت من تركيا إلى الصين عبر إيران أكثر توفيراً، من حيث امتداد الخط دون وجود أي بحيرة بالطريق (بحر قزوين) مما يؤدي لاختصار الوقت، من وجهة النظر الإيرانية، والتي تضيف أهمية الجغرافية الإيرانية لوصول الصين إلى الدول العربية.
وجهة نظر تبناها البعض لتفسير التحول الإماراتي تجاه طهران وأنقرة، خلال السنوات الماضية، لا سيما أن لتركيا دوراً محورياً في نقل البضائع والطاقة، خصوصاً بعد فتح قناة إسطنبول المائية التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود.
ورغم المنافسة التي تواجهها أنقرة من قبل الصين وروسيا وإيران في وسط آسيا، فقد وسّع الانتصار الأذربيجاني على أرمينيا في عام 2020، آفاق التواصل التركي مع دول وسط وجنوب وشرق آسيا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، يتجاوز إيران إلى أرمينيا، حول مدى تأثير الشبكة السككية في حل الأزمة العالقة بين تركيا وأذربيجان من جهة وأرمينيا من الجهة الأخرى؟ بعد فشل الأخيرتين، حتى الآن، في التوصل لاتفاق دائم لإنهاء نزاعهما على إقليم ناغورنو كاراباخ، في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية الأرمينية تطورات بطيئة، لكنها ثابتة، إذ شجّعت تركيا على التجارة الثنائية، وتسعيان معاً لفتح المعابر الحدودية بينهما، ولعل حضور رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، لمراسم تنصيب الرئيس التركي مطلع هذا الشهر، وقبلها التعاطف الأرميني مع تركيا في مأساة الزلازل التي ضربت الجنوب التركي مطلع شباط/ فبراير الماضي، إشارات إيجابية في هذا السبيل.
وكالات



