من التمويل إلى الحوكمة: عراقيل بالجملة أمام صندوق سوريا الائتماني

لم يكن الإعلان أخيراً عن تأسيس «الصندوق الائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا»، مفاجئاً أو وليد اجتماعات بعينها. فالأشهر التي أعقبت سقوط النظام السابق شهدت خطوات متعدّدة على طريق إعادة بناء العلاقة بين دمشق و«البنك الدولي». بدأت هذه العملية بتسديد الرياض والدوحة الديون المترتّبة على سوريا للبنك، ثمّ تلت ذلك مجموعة من الزيارات والاجتماعات الثنائية بين المسؤولين السوريين وخبراء المؤسّسة الدولية – ناقشت مسائل التعاون والدعم -، وصولاً إلى إعلان الأخيرة تقديم مِنح مالية للحكومة السورية في مجالات معيّنة، كتحديث القطاع المالي وإدارة المالية العامة.
ومع أن البيان الصحافي المشترك الأخير لدمشق و«البنك الدولي» جاء عامّاً بعباراته، ولم يقدّم تفاصيل توضح آليات عمل الصندوق وأولوياته، فإن هناك فقرتَين مهمّتَين تستدعيان النقاش. تتعلّق أولاهما بإدارة الصندوق، التي أشار البيان إلى أن «البنك الدولي» سيتولّاها «بالمشاركة مع المانحين ومؤسّسات وشركاء التنمية لسوريا، وبما يتّسق مع الأولويات المحدَّدة من الدولة السورية». أمّا الفقرة الثانية، فتحدّد «شركاء التنمية» الذين أبدوا استعدادهم للمساهمة في هذه المبادرة، وهم: المنطقة العربية، ودول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والمؤسّسات والوكالات الإقليمية والدولية.
الشفافية والحوكمة أولاً
يستبطن تسليم «البنك الدولي» إدارة الصندوق رسائل متعدّدة، بعضها مرتبط بالمموّلين والمانحين، لجهة تبديد مخاوفهم حيال شفافية الإنفاق وإجراءات الحوكمة ومكافحة الفساد والتكسّب غير المشروع، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني. ولعلّ ممّا يعزّز الحاجة إلى ذلك أن الأشهر الماضية أظهرت سوءاً واضحاً في إدارة الموارد والإنفاق، تجلّى في المشكلات والأزمات الخدمية الكبيرة التي تعرّضت لها البلاد، وفي الإنفاق الحكومي الواسع على شراء السيارات والأثاث والمستلزمات الإدارية – في وقت لا تزال فيه مناطق عدّة تعاني خروج مدارسها ومراكزها الصحية عن الخدمة -، فضلاً عن الخلل الذي أظهرته تركيبة الإنفاق المُضمّنة في التقييم النصفي لموازنة العام الحالي.
ولا يخفى، كذلك، أن تولّي «البنك الدولي» إدارة الصندوق، يعني أن سوريا ستكون مُلزَمة بإجراء إصلاحات مؤسّساتية وهيكلية واسعة، تتوافق مع المعايير والتوصيات التقليدية التي يفرضها عادةً على أيّ دولة خارجة من صراع، وتسعى للاستفادة من صناديقه الائتمانية. وفي الحالة السورية، يمكن أن تشمل الإصلاحات المُنتظَرة، بحسب عدد من الباحثين، أربعة محاور أساسية: يتعلّق الأول بالمالية العامّة، بهدف الوصول إلى موازنة واحدة وشفافة، تنهي ظاهرة تعدّد الموازنات الموازية والصناديق فوق الحكومية غير الخاضعة للتدقيق والرقابة، وتفتح الطريق أمام إصلاح ضريبي وجمركي واسع. وأمّا الثاني، فيرتبط بمعالجة منظومة الدعم الحكومي بالكامل، وفي جميع القطاعات، بما فيها الخدمات الأساسية، والاستعاضة عن الدعم بشبكة حماية اجتماعية تستهدف ما يُعرف في أدبيات «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي» بالطبقات الأكثر هشاشة في المجتمع.
وبالنسبة إلى المحور الثالث، فيتعلّق بإصلاح التشريعات والأنظمة الناظمة للعمل الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، بهدف الانتقال من مرحلة تتدخّل فيها الدولة على نطاق واسع إلى مرحلة يتسيّد فيها القطاع الخاص المشهد الاقتصادي. وأخيراً، يأتي محور مكافحة الفساد والكسب غير المشروع، وذلك من خلال بناء نظام إلكتروني للمشتريات الحكومية، وإقرار قوانين تتيح الكشف عن الذمّة المالية للمسؤولين والوصول إلى المعلومات المتعلّقة بالتعاقد والشركات المنفّذة، وغيرها من الإجراءات.
على أن «البنك الدولي» قد لا يتوقّف عند تلك الإصلاحات؛ فالتجارب السابقة للصناديق الائتمانية في دول من مثل أفغانستان والعراق وغيرهما، أظهرت أن النجاحات المُحقَّقة في ترميم المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرقات وغيرها بقيت مُهدَّدة بالانهيار في ظلّ الانقسامات السياسية والمجتمعية الحادّة، وغياب المجتمعات المحلّية وضعف المشاركة الشعبية. وهذا ما ينطبق على سوريا اليوم أيضاً؛ ولذلك، فإن عمل الصندوق بصيغته الطموحة سيبقى مرهوناً بحجم رضى «المجتمع الدولي» عن العملية السياسية الانتقالية في البلاد، ومدى توافقها مع القرارات الدولية الخاصة بسوريا.
من سيموّل؟
يبقى التمويل هو التحدّي الأهمّ في مثل هذه المبادرات؛ إذ بناءً عليه، يُحدَّد حجم المشاريع التي ستُنفَّذ مستقبلاً، والقطاعات التي ستشملها، ومدّتها الزمنية. وعادةً ما يأتي التمويل في هذه الصناديق من مصدرَين: الأول، ما يخصّصه «البنك الدولي» لسوريا سنوياً من منح وقروض مُيسّرة، وهو ما سيخضع لتقييم إدارته للأوضاع هناك، ولما يجري تنفيذه من إصلاحات وخطوات يطالب بها. أمّا المصدر الثاني، فيتمثّل في مساهمات الدول التي أشار إليها البيان الصحافي. لكن في ظلّ الأوضاع السياسية والاقتصادية السائدة في المنطقة والعالم، واتّساع دائرة الاضطرابات والنزاعات، تشير التوقعات البحثية إلى أن التمويل في المرحلة المقبلة سيكون محدوداً مقارنة باحتياجات بلد مُدمَّر تصل إلى أكثر من 200 مليار دولار، بحسب تقديرات البنك نفسه.
تكفي هنا مراجعة نسب التزام المانحين في مؤتمرات بروكسل الخاصة بسوريا. فعلى مدار عقد كامل (2016-2026)، كانت أعلى نسبة تمويل تحقّقت من إجمالي متطلّبات خطّة الاستجابة الإنسانية الأممية 69%، وذلك في عام 2019، فيما سُجّلت أدنى نسبة هذا العام، حيث لم تتجاوز حتى الآن نحو 32%.
أمّا من حيث حجم التمويل الفعلي، فقد بلغ أكبر مبلغ استطاعت الأمم المتحدة جمعه نحو 2.393 مليار دولار، تحديداً في عام 2020. وفي عام 2023، الذي شهد وقوع كارثة الزلزال الشهير، فإن إجمالي التمويل الذي جُمع لخطّة الاستجابة الإنسانية بقي في حدود 2.1 مليار دولار. وبخلاف المتوقّع، لم يسهم سقوط النظام السابق، نهاية 2024، في دفع الدول إلى الوفاء بتعهّداتها المالية؛ إذ بلغت النسبة في السنة الماضية نحو 43%، مقارنة بنحو 34% في 2024، أي إن الزيادة بسيطة جداً مقارنة بالدعم السياسي وزيارات الوفود الغربية إلى دمشق.
والنتيجة هذه لا يجدر أن تكون مُستغرَبة؛ فما الذي سيجعل تلك الدول مستعدّة لتقديم منح وقروض مُيسّرة للصندوق السوري، في ظلّ التدهور غير المسبوق في الأوضاع الاقتصادية العالمية، والخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تسبّبت بها الحروب والنزاعات، بدءاً من دول الخليج المشغولة بلملمة خسائرها بفعل الحرب على إيران، إلى الدول الغربية التي تجتاحها اضطرابات واسعة؟
ولا تقلّ التحدّيات الداخلية أهمية عن تحدّي التمويل. فالإجراءات البيروقراطية السورية والدولية على حدّ سواء، قد تتسبّب في إبطاء تنفيذ المشاريع بشدّة، أو حرفها عن مسارها المُخطَّط له نتيجة ظروف سياسية مُعيّنة. ويزداد الأمر تعقيداً مع النقص الحادّ الذي تعانيه البلاد اليوم في الكفاءات والخبرات، بعدما جرى الاستغناء عن بعضها عقب سقوط النظام السابق، وهو ما قد دفع ذلك «البنك الدولي» إلى الدخول في عملية قد تستغرق وقتاً طويلاً لإعادة بناء الكوادر والمؤسّسات، إذا سُمح له بذلك.
تجارب الفشل والنجاح
في استعراض سريع لتجارب الصناديق الائتمانية التي أطلقها «البنك الدولي» في دول خرجت لتوّها من حروب ونزاعات مُدمِّرة، تبرز تجربة تيمور الشرقية بوصفها ناجحة، وفقاً لمصادر عدّة. ويعود نجاح هذه التجربة، على عكس ما حدث في أفغانستان والعراق، إلى استقرار الوضع الأمني بالكامل بعد انتهاء الحرب، وهو ما سمح للشركات والأفراد بالعمل بحرية وأمان. فضلاً عن ذلك، فإن المشاريع التي نفّذها الصندوق هناك اختيرت وأُقرّت من قِبل مجالس محلّية مُنتخَبة، وليس من قِبل حكومة مركزية أو إدارات عليا. والأهم من ما تَقدّم، وجود توافق إقليمي ودولي وأممي جادّ على تحقيق الاستقرار والتعافي في هذا البلد، تُرجم إلى تمويل المشاريع وتنفيذها بصورة تكاملية لا تنافسية. فهل تتوافر هذه الشروط اليوم في سوريا؟ وهل هناك إرادة لتحقيقها قريباً؟
الأخبار



