فوضى الحجز الاحتياطي: السلطة تُحاسِب الأثرياء… انتقائياً

بعد أيام قليلة على نشر وسائل إعلام سعودية بعضاً من مُقتطفات مذكّرات عبد الحليم خدام، وتحديداً ما يتعلّق بالأسباب التي دعت الرئيس الرحل، حافظ الأسد، قبيل وفاته بأسابيع قليلة، إلى إقالة رئيس وزرائه، محمود الزعبي، وإحالته إلى التحقيق، أصدرت «لجنة الكسب غير المشروع»، المُشكَّلة في أيار من العام الماضي، قراراً بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى الزعبي، المُتوفّى منذ نحو 27 عاماً، وجميع أفراد عائلته. وبحسب ما جاء في رواية خدام، الذي صادَر النظام السابق أملاكه كافّة، فإن الأسد اكتشف، قبيل وفاته بأسابيع قليلة، عملية تزوير جرى بموجبها سحب مبلغ قدره 65 مليون دولار من الاحتياطي السوري، وتحويله إلى جهة تخصّ رئيس الوزراء في ذلك الوقت، الزعبي، الأمر الذي دفعه إلى إقالة الأخير من منصبه وإحالته إلى التحقيق.
على أن هذا التزامن بين ما نُشر عن الزعبي وقرار الحجز لا يأتي من باب المُصادفة؛ إذ تشير غالبية المعلومات إلى أن اللجنة المذكورة تعتمد، في عملية بناء «الداتا» عن الشخصيات التي يمكن إخضاعها للمحاسبة، على ما يُنشر في شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام والوشايات، إضافة إلى قاعدتها الذهبية غير المُعلَنة، التي تقول إن كلّ مَن عمل في مؤسّسات الدولة أو معها منذ عام 1970 هو موضع شبهة. وإلّا، كيف يُفسَّر صدور قرارات بالحجز الاحتياطي على أموال آلاف السوريين وممتلكاتهم في وقت لم يمضِ فيه على تشكيل اللجنة سوى عام ونصف عام تقريباً؟ فعلى سبيل المثال، ضمّت إحدى قوائم الحجز الاحتياطي المُسرّبة ما يزيد على 3500 شخص، في حين أن «الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش»، التي تضمّ بفروعها المختلفة آلاف العاملين والمفتّشين، لم تنجز طيلة عام كامل سوى 1800 قضية، موزّعة بين قضايا صغيرة وأخرى كبيرة.
«شيطنة» كلّ ما سبق
ليس الزعبي وحده الذي طاوله الحجز الاحتياطي من قِبل السلطة الجديدة؛ فهناك شخصيات رسمية وعسكرية برزت في عهد الأسد الأب، وُضعت هي الأخرى على لوائح «لجنة الكسب غير المشروع». وهذا ما يُفسَّر، في ظلّ عدم التزام اللجنة – وفق منتقديها – بالأصول المهنية والقانونية المعروفة عالمياً، بأحد احتمالَين: الأوّل، استخدام قرارات الحجز في الضغط على الشخصيات المعنيّة للانخراط في عمليات تسوية، تماماً كما كان يفعل النظام السابق، ولكن من بوابة فرع الخطيب. وبذلك، تضرب اللجنة عصفورَين بحجر واحد: توفير عناء البحث والتحقيق اللذين يحتاجان إلى عشرات السنوات حتى يخلصا إلى نتائج موثّقة حيال مصادر ثروات آلاف المُستهدَفين، وجمع أموال ليست بالقليلة تبدو السلطة في حاجة ماسّة إليها بعد توقّف الدعم الخارجي.
أمّا الاحتمال الثاني، فيتعلّق بفلسفة عمل السلطة الجديدة، القائمة على «شيطنة» مرحلة الأسدَين بكلّ مؤسساتها وشخصياتها وقراراتها، وذلك خوفاً من أيّ مقارنات مستقبلية يجريها السوريون وقد تصبّ بعض نتائجها في صالح المرحلة السابقة. وإذ تعمل كلّ مؤسّسة، في نطاق اختصاصها، على ترجمة تلك الفلسفة، فقد أثمر الأمر، حتى الآن، صدور عشرات التقارير الرقابية التي توجّه اتهامات بالفساد والهدر إلى مسؤولين سابقين، وإخضاع آخرين للتحقيق، فيما تمّ توقيف البعض منذ أكثر من عام.
وهكذا، لم يعُد هناك أسهل من توجيه الاتهام إلى أيّ شخص عمل مع مؤسّسات الدولة بالكسب غير المشروع، وبالتالي إصدار قرار بالحجز الاحتياطي على أمواله وممتلكاته. وبحسب ما يرويه البعض ممّن راجعوا اللجنة للاستفسار عن سبب شمولهم بقرارات الحجز، رغم عدم وجود أيّ مخالفات أو تجاوزات ارتكبوها، فإن التبرير الذي قُدّم لهم كان أنهم عملوا في مواقع مسؤولية أيام النظام السابق؛ علماً أنه طُلب منهم بعد نقاشات سريعة تقديم اعتراضات ليصار إلى دراستها. وإذا دلّ ذلك على شيء، فعلى أن اللجنة لا تنطلق في إجراءاتها من تحقيقات أوّلية، وفق ما هو مُعتمَد في التحقيقات التفتيشية، وإنما من خلفية عمل الشخصيات، وموقفها السياسي، وما تتداوله «السوشيال ميديا» عنها.
الانتقائية في المُحاسبة
لا تقف الانتقادات الموجّهة إلى عمل «لجنة الكسب غير المشروع» عند حالة الاستسهال في توجيه التهم، وإصدار قرارات بالحجز الاحتياطي على الآلاف دفعة واحدة، والسماح لـ«الصندوق السيادي» بوضع اليد على منشآت ومؤسّسات خاصة وإدارتها واستثمارها بشكل مخالف للقانون، ومن دون وجود تحقيقات مهنية وقانونية وموضوعية، وإنما يؤخذ عليها أيضاً أنها تمارس «الانتقائية» بشدّة في عملها، كما هو حال باقي المؤسّسات. فإذا كانت ملاحقة أثرياء الحرب تحظى بإجماع السوريين لاستعادة الأموال والثروات المنهوبة، فإن هذا الأمر يجب أن يشمل الجميع، ومن دون أيّ استثناء: من الأثرياء الجدد والمسؤولين الفاسدين الذين عملوا في مناطق سيطرة النظام السابق، إلى المسلّحين الذين نقلوا معامل حلب إلى تركيا، واقتلعوا السكك الحديدية في مناطق عدّة، وفجّروا خطوط نقل النفط، ونهبوا حقول النفط والغاز، وصولاً إلى المرحلة الحالية والصفقات الضخمة المثيرة للشك، التي تجري على حساب لقمة السوريين ومعيشتهم.
ولعلّ ما كُشف عن تجاوزات ومخالفات في عقود نفطية وقّعتها «الشركة السورية للبترول»، وما تبعها من قرارات حجز بقيمة 104 ملايين دولار، خير مثال على تلك «الانتقائية»، إذ، وتعقيباً على المعلومات التي تداولها مؤثّرون على شبكات التواصل، وقالوا فيها إن «الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش» تُجري تحقيقاً مع مدير «السورية للبترول»، خرج رئيس الهيئة إلى الإعلام مدافعاً عن الشركة ومديرها، مؤكداً أن «التحقيقات لا تمثّل اتهاماً لـ»السورية للبترول» أو لكوادرها وموظفيها»، في حين أن هذا الموقف يتبدّل جذرياً عندما يتعلّق التحقيق بملفات من أيام النظام السابق، حيث يوجَّه الاتهام عندئذٍ من أعلى سلطة في الوزارة أو المؤسّسة المعنيّة إلى أصغر موظف.
في النتيجة، يمكن القول إن العودة إلى فتح دفاتر الماضي البعيد ليست سوى محاولة للهروب من استحقاق الحاضر. وكما أن العدالة الانتقالية تركّز على محاسبة كبار مرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية من جميع الأطراف، فإن مُلاحقة قضايا الكسب غير المشروع والفساد يجب أن تتركّز أيضاً على أصحاب الثروات الكبرى التي جُمعت بطرق غير مشروعة من ناحية، وعلى الأشخاص الذين تسبّبوا بأضرار جسيمة للاقتصاد الوطني، من دون أيّ استثناء أو تمييز، من ناحية أخرى، إلّا إذا كان الهدف تعميق حالة التشظّي التي تعيشها البلاد حالياً. فمن السخرية بمكان، مثلاً، أن يصبح عمل الشخص الذي اتّخذ قراراً بتدمير برج التبريد في محطّة زيزون لتوليد الكهرباء لبيعه خردةً مغفوراً، وربّما يصبح مسؤولاً في الدولة الجديدة، في حين أن آلاف المتقاعدين، في مرحلتَي ما قبل الحرب وخلالها، محرومون حتى الآن من رواتبهم التقاعدية.
الأخبار



