البنك الدولي يتوقع نمواً يصل إلى 10% للاقتصاد السوري في 2026.. والتضخم يهدد التعافي

توقع البنك الدولي أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً يتراوح بين 8 و10% خلال عام 2026، في وتيرة وصفها بأنها الأسرع منذ نحو ثلاثة عقود، مدفوعة بتحسن أداء قطاعات النفط والزراعة والبناء والسياحة، إلى جانب تنشيط التجارة وتوسع أعمال إعادة الإعمار.
ورغم المؤشرات الإيجابية، حذر البنك من استمرار الضغوط التضخمية والعجز المالي، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة قد يحد من انعكاس النمو الاقتصادي على الأوضاع المعيشية للسوريين.
النفط والزراعة وإعادة الإعمار تقود النمو
بحسب التقرير، اكتسب التعافي الاقتصادي السوري زخماً خلال النصف الأول من عام 2026، بفضل تحسن الإنتاج النفطي والزراعي، وتوسع أنشطة إعادة الإعمار، ونمو حركة التجارة والنقل، فضلاً عن تخفيف جزء كبير من القيود الدولية على المعاملات الاقتصادية والمالية.
وحدد البنك الدولي قطاعات النفط والزراعة والبناء بوصفها أبرز محركات النمو في المرحلة الحالية، بالتوازي مع تعافٍ تدريجي في أنشطة القطاع الخاص والسياحة والخدمات.
كما أسهم تحسن الأوضاع الأمنية في عدد من المناطق في تنشيط الحركة الإنتاجية والتجارية.
وأشار التقرير إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يتيح لها فرصاً للاستفادة من التحولات الإقليمية في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، خصوصاً مع استعادة بعض مسارات التجارة والعبور عبر أراضيها.
مؤشرات تدعم التعافي الاقتصادي
استندت توقعات البنك الدولي إلى مجموعة من المؤشرات التي أظهرت تحسناً في النشاط الاقتصادي خلال الأشهر الماضية، إذ بلغ إنتاج الإسمنت نحو 4.1 ملايين طن في النصف الأول من العام، مقترباً من مستويات ما قبل الحرب، مع ارتفاع الطلب المرتبط بالبناء وإعادة الإعمار.
كما ارتفعت حركة النقل الجوي بنسبة 118% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، فيما زادت شدة الإضاءة الليلية بنسبة 8.4%.
ويستخدم البنك الدولي هذا المؤشر لرصد النشاط الاقتصادي في البلدان التي تفتقر إلى بيانات إحصائية حديثة وشاملة.
وفي القطاع الزراعي، ساهم تحسن الهطولات المطرية في زيادة إنتاج القمح، وأعلنت سورية تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المادة للمرة الأولى منذ عام 2010، وفق ما أورده التقرير.
التضخم يهدد مكاسب النمو
على الرغم من التوقعات الإيجابية، حذر البنك الدولي من أن التضخم يمثل أحد أبرز التحديات أمام التعافي الاقتصادي، لما له من تأثير مباشر على القدرة الشرائية ومستويات المعيشة.
وأوضح التقرير أن معدل التضخم السنوي بلغ 27.5% في نيسان 2026، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والنقل والكهرباء وتكاليف الاستيراد، متوقعاً أن يبلغ متوسط التضخم خلال العام نحو 21.4%.
ويرتبط جانب من هذه الضغوط بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، في ظل التطورات الإقليمية وصعود أسعار النفط العالمية، ما يرفع تكاليف الإنتاج والاستيراد وينعكس على أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية.
وحذر البنك من أن نمو الناتج المحلي لا يعني بالضرورة تحسناً سريعاً في الظروف المعيشية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الأسعار ومحدودية قدرة سوق العمل على توفير فرص كافية للباحثين عن عمل.
وفي مواجهة هذه التحديات، أوصى بتوجيه جزء من الإيرادات الإضافية المحتملة نحو برامج دعم تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، للحد من الآثار الاجتماعية للتضخم.
تحسن الإيرادات لا ينهي عجز الموازنة
على صعيد المالية العامة، أظهر التقرير ارتفاع الإيرادات الحكومية بدعم من عائدات النفط والجمارك والاتصالات، إلا أن الإنفاق العام واصل الزيادة بوتيرة أسرع، مدفوعاً بارتفاع الرواتب والنفقات الاستثمارية واحتياجات الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار.
وبعد تسجيل تحسن في الموازنة خلال عام 2025، عاد العجز المالي للظهور في النصف الأول من عام 2026، مع توقعات بوصوله إلى نحو 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك عجلة الإنتاج.
الحكومة تتجه إلى ترشيد الإنفاق
بالتزامن مع هذه التحديات، أعلنت الحكومة السورية إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت خفض مخصصات الوقود للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30%، وتقليص النفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، إلى جانب تقييد نفقات السفر والإيفاد والمشتريات الإدارية.
وأوضح وزير المالية محمد يسر برنية أن الهدف من هذه الإجراءات ليس خفض الإنفاق بصورة عشوائية، بل إعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر أهمية، وتحسين كفاءة استخدام الأموال العامة في ظل الظروف الاقتصادية والإقليمية الراهنة.
هل ينعكس النمو على معيشة السوريين؟
تعكس توقعات البنك الدولي تحسناً في آفاق الاقتصاد السوري، مدفوعاً بزيادة الإنتاج وتوسع أنشطة إعادة الإعمار واستعادة جزء من النشاط التجاري، لكن استمرار التضخم والعجز المالي يضعان هذه المكاسب أمام تحديات كبيرة.
ويبقى التحدي الأساسي في تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في دخل الأسر وقدرتها الشرائية، من خلال احتواء ارتفاع الأسعار، وتوسيع فرص العمل، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يضمن وصول آثار التعافي إلى المواطنين، وليس اقتصارها على المؤشرات الاقتصادية العامة.
سيريانديز



