حرب اليمن تطرق باب دمشق.. هل تحتمل سورية جبهة جديدة؟

في ظل تصاعد المواجهات في اليمن بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) المدعومة من إيران، برزت تقارير تتحدث عن طلب سعودي من دمشق تقديم مساعدة عسكرية، وسط تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه سورية، ومدى قدرتها على الانخراط في صراع جديد خارج حدودها.
وأفادت وكالة «رويترز»، في 7 تشرين الأول الحالي، بأن دمشق تدرس خيارات لتقديم دعم عسكري للسعودية، تتراوح بين المساعدة الدفاعية لحماية الأراضي السعودية من هجمات الحوثيين، وإرسال قوات سورية للمشاركة في العمليات إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض، وذلك وفق مسؤول أمريكي وآخر عسكري سوري.
وبحسب الوكالة، قال المسؤول الأمريكي إن السعودية طلبت من سوريا نشر قوات للمشاركة في القتال ضد الحوثيين، فيما تبحث دمشق طبيعة المساعدة الممكنة والخيارات المتاحة أمامها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع احتدام المعارك قرب مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد الممرات الاستراتيجية للتجارة والطاقة العالمية، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية اليمنية تحقيق تقدم ميداني من دون حسم السيطرة على المنطقة أو إنهاء وجود الحوثيين فيها.
وتدخلت السعودية مباشرة في المواجهات عبر شن غارات جوية على مواقع الحوثيين، الذين سبق أن استهدفوا مدناً سعودية رئيسية، بينها العاصمة الرياض.
ما طبيعة المساعدة السورية المحتملة؟
قال الباحث في «المركز السوري للدفاع والأمن» (مسداد)، معتز السيد، لموقع «عنب بلدي»، إن الأنباء المتداولة بشأن طلب السعودية مساعدة عسكرية سورية لم تتأكد بعد، وما زالت في إطار التسريبات، مشدداً على ضرورة التمييز بين المعلومات المؤكدة والتكهنات المتعلقة بطبيعة الدور المحتمل.
وأشار السيد إلى أن السعودية تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، إلى جانب القوات الحكومية اليمنية والتشكيلات المتحالفة معها التي تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، ما يجعل الحاجة الفعلية إلى إرسال قوات سورية إضافية أمراً غير واضح حتى الآن.
ورأى أن أهمية الدور السوري قد لا تقتصر على المشاركة المباشرة في القتال، بل يمكن أن تتمثل في منع إعادة بناء شبكات النفوذ الإيراني داخل الأراضي السورية، بما يسهم في تعزيز أمن المنطقة.
كما طرح احتمال الاستفادة من خبرات سورية في التعامل مع الفصائل المسلحة، سواء من خلال التدريب أو تقديم الاستشارات، مؤكداً أن تحديد طبيعة الدور المطلوب يتوقف على معرفة تفاصيل الطلب السعودي، إن وُجد، والأهداف المرجوة منه.
من جهته، قال الباحث في مركز «جسور للدراسات»، وائل علوان، إن الجيش والقوات الأمنية السورية يمتلكان خبرات في مواجهة المجموعات المسلحة المرتبطة بإيران، معتبراً أن هذه الخبرات تفسر الاهتمام بإمكانية مساهمة دمشق في المواجهات الجارية في اليمن.
لكنه أشار إلى أن السلطات السورية لا تزال متحفظة على الانخراط في عمليات عسكرية خارج البلاد، في ظل حداثة البنية الأمنية والعسكرية وحاجتها إلى إعادة البناء، فضلاً عن التحديات الداخلية التي تتطلب تركيز الجهود على تثبيت الاستقرار.
دمشق تؤكد دعم السعودية وتستبعد فتح جبهات جديدة
وفي ردها على أسئلة «رويترز»، قال دبلوماسي سوري إن دمشق تقف إلى جانب السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، لكنه أكد أن الأولوية الراهنة للحكومة السورية تتمثل في معالجة الملفات الداخلية والتعافي من آثار الحرب التي استمرت 14 عاماً.
وأضاف أن أي طلب سعودي للتعاون العسكري أو تبادل الخبرات سيُبحث حصراً عبر القنوات الرسمية، وفي إطار الاتفاقيات الثنائية الناظمة للعلاقات بين البلدين.
بدورها، نفت إدارة الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام السورية ما وصفته بـ«مزاعم انضمام سورية إلى الحرب في اليمن»، مؤكدة أن موقف دمشق يقوم على دعم السعودية في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها واستقرارها، مع التمسك بنهج إقليمي قائم على السلام والتعاون، بعيداً عن فتح جبهات جديدة.
وشددت الإدارة على أن الأولوية السورية تتمثل في إعادة بناء البلاد وتعزيز مؤسسات الدولة، والعمل مع الشركاء في جهود إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية للسوريين، موضحة أن أي تعاون عسكري مع الدول الشريكة لن يتم إلا عبر القنوات الرسمية والأطر الثنائية القائمة.
واستبعد معتز السيد إرسال آلاف الجنود السوريين إلى خارج البلاد في المرحلة الحالية، نظراً إلى عدم امتلاك دمشق فائضاً عسكرياً يسمح لها بتحمل أعباء تدخل واسع، فضلاً عن حاجة البلاد إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها.
وفي المقابل، رأى أن سورية قد تقدم مساهمة أمنية من خلال ضبط أراضيها ومنع استخدامها لإعادة بناء شبكات النفوذ الإيراني، إلى جانب إمكانية توظيف خبرات محددة في القتال داخل المدن والتعامل مع الفصائل المسلحة، عبر التدريب والاستشارات، أو مشاركة عدد محدود من المقاتلين ذوي الخبرة إذا توافرت الضرورة والقدرة والمصلحة.
وأكد السيد أن القدرة العسكرية على تنفيذ مهمة ما لا تعني بالضرورة أنها تخدم المصالح السورية، لافتاً إلى أن أي مشاركة مباشرة ينبغي أن تخضع لتقييم دقيق يوازن بين المكاسب المتوقعة والتكاليف المحتملة، ولا سيما مخاطر استنزاف القدرات العسكرية أو تهديد الأمن الداخلي.
هل يؤثر الموقف السوري في العلاقة مع الرياض؟
تزامنت الأنباء عن الدور السوري المحتمل في اليمن مع زيارة أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في 6 تشرين الأول الحالي، التقى خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن اللقاء تناول العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.
وركز الإعلان السعودي على آفاق العلاقات بين البلدين وفرص توسيع التعاون في مختلف المجالات، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية، من دون الإعلان عن اتفاقيات جديدة أو قرارات محددة نتجت عن الاجتماع.
ويأتي اللقاء ضمن مسار التقارب السوري السعودي الذي بدأ سياسياً بعد سقوط النظام السابق، ثم امتد إلى مجالات اقتصادية واستثمارية ودبلوماسية، في ظل مساعي دمشق إلى توسيع علاقاتها العربية والدولية ودعم إعادة بناء الدولة والاقتصاد.
وفي هذا السياق، اعتبر وائل علوان أن طبيعة الموقف السوري من الحرب في اليمن، سواء اقتصر على تبادل الخبرات أو شمل مشاركة عسكرية محدودة أو واسعة، أو انتهى إلى عدم المشاركة، لن تؤثر بالضرورة في العلاقات مع السعودية.
وأشار إلى وجود تعاون سعودي تركي في مجال تأمين المنطقة، معتبراً أن دمشق يمكن أن تؤدي دوراً في الترتيبات الأمنية الإقليمية، بالنظر إلى موقعها وأهميتها في معادلات الاستقرار في الشرق الأوسط.
وأضاف علوان أن عودة سورية إلى المحيط العربي بعد سقوط نظام الأسد أسهمت في تغيير موازين القوى الإقليمية، وأن قدرة دمشق على تأمين أراضيها وحدودها وتعزيز الاستقرار الداخلي قد تحظى بتقدير سعودي.
وبين الحديث عن طلب عسكري لم يُحسم بعد، والتأكيدات السورية على أولوية الداخل، يبقى حجم الدور الذي يمكن أن تؤديه دمشق في اليمن مرتبطاً بطبيعة التعاون المطلوب، وقدرة الدولة السورية على تلبيته، ومدى انسجامه مع مصالحها الأمنية والسياسية في المرحلة المقبلة.
عنب بلدي



