أوامر من طهران وأهداف في ألمانيا.. خفايا مخطط اغتيالات

لم تعد المخاوف الأوروبية من أنشطة التجسس المرتبطة بإيران تقتصر على التحذيرات الأمنية والتقديرات الاستخباراتية، إذ انتقلت إلى ساحات القضاء مع صدور حكمين بالسجن في ألمانيا بحق رجلين أُدينا بالتجسس والتخطيط لاستهداف شخصيات يهودية بارزة. وتسلط القضية الضوء على مخطط يُشتبه في ارتباطه بجهات إيرانية، اعتمد على تجنيد وسطاء للتحضير لاعتداءات داخل أوروبا.
وجاء الحكمان، الصادران الخميس عن المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ، في ظل تزايد القلق الأوروبي من انتقال التوترات مع إيران إلى أهداف مدنية وشخصيات عامة داخل القارة.
أحكام بالسجن تكشف تفاصيل المخطط
قضت المحكمة بسجن رجل يبلغ 54 عاماً، يُشار إليه باسم علي س.، لمدة ثماني سنوات ونصف السنة، بعدما خلصت إلى أنه لعب الدور الرئيسي في التخطيط للاعتداءات.
كما حكمت بالسجن أربع سنوات ونصف السنة على شريكه تواب م.، البالغ 43 عاماً.
ووفقاً لما أوردته دويتشه فيله والتلفزيون الألماني «زد دي إف»، أدين الرجلان في قضية تتعلق بأنشطة تجسس والتخطيط لمحاولة قتل.
وقالت النيابة إن المتهم الرئيسي، وهو دنماركي من أصول أفغانية، تلقى تعليمات من أشخاص مرتبطين بفيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني.
وبحسب الاتهامات، استعان الرجل بمتهم أفغاني يقيم في الدنمارك، وكلفه بالمساعدة في تنفيذ أحد الاعتداءات أو العثور على شخص يتولى تنفيذه، فضلاً عن البحث عن سلاح لاستخدامه في العملية.
شخصيات يهودية بارزة على قائمة الأهداف
تضمنت قائمة الأهداف التي تناولتها القضية شخصيتين بارزتين في الحياة السياسية والعامة بألمانيا، هما جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، وفولكر بيك، السياسي المنتمي إلى حزب الخضر ورئيس الجمعية الألمانية الإسرائيلية.
ولم تقتصر المخططات، وفق تفاصيل القضية، على استهداف الشخصيات العامة، بل شملت أيضاً التحضير لإضرام النار في متجر للأغذية اليهودية في برلين.
وتشير طبيعة الأهداف إلى أن المخطط لم يكن محصوراً بمنشآت عسكرية أو مسؤولين أمنيين، بل امتد إلى شخصيات ومؤسسات مدنية تحمل دلالات دينية وسياسية.
وكانت السلطات الدنماركية قد اعتقلت الرجلين في مدينة آرهوس خلال العام الماضي، قبل تسليمهما إلى ألمانيا لمحاكمتهما.
كيف امتد المخطط بين الدنمارك وألمانيا؟
تكشف القضية عن تحدٍ أمني تواجهه الدول الأوروبية، يتمثل في إمكانية توزيع مراحل التخطيط والتجنيد والاستهداف على أكثر من دولة، مستفيداً من سهولة التنقل بين البلدان الأوروبية.
فبحسب الاتهامات التي تناولتها المحكمة، صدرت التوجيهات من جهات مرتبطة بإيران، فيما جرى تجنيد أحد المتهمين في الدنمارك، بينما كانت الشخصيات والمنشآت المستهدفة موجودة في ألمانيا.
ويفرض هذا النوع من القضايا تنسيقاً أمنياً وتبادلاً للمعلومات بين الدول المعنية، إذ قد تتوزع الأدلة والتحركات المرتبطة بالمخطط الواحد على أكثر من نطاق قضائي وأمني.
كما تثير القضية تساؤلات بشأن الاستعانة بأشخاص لا يحملون الجنسية الإيرانية لتنفيذ عمليات يُشتبه في ارتباطها بأجهزة إيرانية، وهو ما قد يزيد من تعقيد تحديد المسؤوليات وتتبع الاتصالات بين الأطراف المعنية.
أزمة دبلوماسية بين برلين وطهران
لم تتوقف تداعيات القضية عند المسار القضائي، بل امتدت إلى العلاقات الألمانية الإيرانية. فبعد الإعلان عن الاعتقالات، استدعت وزارة الخارجية الألمانية السفير الإيراني، في حين رفضت السفارة الإيرانية الاتهامات، ووصفتها بأنها بلا أساس.
من جهته، طالب فولكر بيك، الذي كان ضمن قائمة الأهداف المزعومة، السلطات الألمانية بطرد السفير الإيراني ومسؤولين قنصليين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التحذيرات الغربية من مخاطر استهداف معارضين ومؤسسات وشخصيات حساسة خارج الأراضي الإيرانية.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين الوقائع التي حُسمت قضائياً في هذه القضية، والاتهامات المرتبطة بحالات أخرى لا تزال قيد التحقيق ولم يصدر بشأنها حكم نهائي.
هل تتحول أوروبا إلى ساحة للمواجهة مع إيران؟
تعكس قضية هامبورغ جانباً من التحديات الأمنية المرتبطة بالتوترات مع إيران، والتي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والتحركات الدبلوماسية.
فالحكمان يسلطان الضوء على مخطط عابر للحدود، تداخلت فيه اتهامات بوجود صلات استخباراتية مع عمليات تجنيد أفراد والتحضير لاستهداف شخصيات مدنية.
وبالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الأوروبية، تبرز القضية أهمية التعاون بين الدول في رصد التحركات المشبوهة ومتابعة الشبكات التي قد تستغل الحدود المفتوحة لتنفيذ عمليات في أكثر من بلد، فيما تظل المسؤولية عن أي مخطط مرتبطة بالأدلة والأحكام القضائية الصادرة بشأنه.
سكاي نيوز عربية



