الاخبار

اختصاصات للذكور دون الإناث.. القبول الجامعي في سورية يثير الجدل.. ما القصة؟

أثارت مفاضلة القبول الجامعي في سورية للعام الدراسي 2026-2027 نقاشًا واسعًا، بعد أن أظهرت قوائم القبول تخصيص عدد من الكليات والمعاهد والاختصاصات للطلاب الذكور دون الطالبات، في خطوة أعادت طرح تساؤلات حول تكافؤ الفرص ومعايير الالتحاق بالتعليم العالي.
ولم تقتصر الاختصاصات التي أثارت الجدل على المجالات الأمنية والعسكرية أو المعاهد التي ترتبط طبيعة عملها بمتطلبات مهنية محددة، بل شملت أيضًا اختصاصات مدنية، من بينها العلوم القانونية والاجتماعية والإخراج الإذاعي والتلفزيوني، إلى جانب برامج في مجالات الاقتصاد وإدارة الأعمال وبعض التخصصات التقنية.

ما الاختصاصات التي أثارت الجدل؟
بدأت القضية مع إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية مفاضلة القبول الجامعي للعام الدراسي الجديد، ضمن منظومة إلكترونية موحدة تتضمن شروط الالتحاق بمختلف الكليات والمعاهد والبرامج التعليمية.
وأظهرت القوائم أن بعض المسارات متاحة للطلاب الذكور دون الإناث، في حين خُصصت اختصاصات أخرى للطالبات فقط، من بينها رياض الأطفال والتمريض والقبالة وبعض البرامج التقنية.
وكان اللافت أن قصر القبول على الذكور امتد إلى مجالات مدنية، مثل اختصاصات العلوم القانونية والاجتماعية في كلية العلوم الإنسانية والإدارية، والإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام في إدلب.
كما شملت القيود بعض البرامج في إدارة الأعمال والاقتصاد بدمشق، إلى جانب معاهد تقنية متخصصة في النفط والغاز والسكك الحديدية.
ولم تقدم الوزارة، وفق المعطيات الواردة في القوائم، توضيحًا تفصيليًا بشأن المعايير التي استندت إليها في تحديد الاختصاصات المتاحة للذكور أو الإناث، الأمر الذي فتح الباب أمام التساؤلات حول مبررات هذه الشروط، خصوصًا في المجالات المدنية التي لا تبدو طبيعتها مرتبطة بجنس الطالب.
ولا تنطبق هذه القيود على جميع مؤسسات التعليم العالي في سوريا أو على كل الاختصاصات، إذ تختلف شروط القبول بين المؤسسات والفروع والمناطق، ما يجعل جنس المتقدم أحد العوامل المؤثرة في فرص الالتحاق ببعض المسارات التعليمية.

تفاعل واسع وتساؤلات حول تكافؤ الفرص
انتقل الجدل من الأوساط التعليمية إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تساءل متابعون عن أسباب استبعاد الطالبات من بعض الاختصاصات، ولا سيما البرامج المدنية التي يمكن أن ترتبط بفرص عمل متنوعة.
وتباينت المواقف بين من يرى أن هذه الشروط امتداد لأنظمة قبول معمول بها منذ سنوات في بعض المعاهد، بالنظر إلى طبيعة الدراسة والتدريب ومتطلبات العمل، وبين من يعتبرها قيودًا تمييزية تحد من قدرة النساء على اختيار تخصصاتهن الأكاديمية والمهنية.


وأعاد النقاش إلى الواجهة قضية قرار «معهد الحرية»، المعروف سابقًا باسم «اللاييك» في دمشق، بفصل الطلاب عن الطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع استمرار التعليم المختلط في المرحلة الابتدائية.
وكانت إدارة المعهد قد بررت قرارها باعتبارات تربوية وسلوكية، وأكدت أنه لم يصدر تنفيذًا لتوجيه حكومي عام. إلا أن تزامن القضيتين أعاد طرح تساؤلات بشأن حدود الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية السورية، وما إذا كانت هذه الإجراءات ستبقى مقتصرة على مؤسسات محددة.
مبررات المؤيدين.. طبيعة الاختصاص ومتطلبات العمل
في المقابل، دافع ناشطون عن شروط المفاضلة، معتبرين أن تخصيص بعض المعاهد للذكور دون الإناث ليس أمرًا جديدًا، بل يعود إلى سنوات سابقة، ولا سيما في المعاهد المهنية والتقنية المرتبطة بالنفط والغاز والسكك الحديدية.
وأشاروا إلى أن بعض هذه المؤسسات يتبع لوزارات وجهات حكومية معنية بالقطاعات التي تعمل فيها، وليس لوزارة التعليم العالي مباشرة، ما يجعل شروط القبول مرتبطة، بحسب رأيهم، باحتياجات تلك الجهات وطبيعة التدريب والوظائف المتاحة.
كما رأوا أن اختلاف شروط القبول بين المؤسسات التعليمية لا يعني بالضرورة وجود سياسة عامة تستهدف الحد من فرص النساء في التعليم الجامعي، مؤكدين أن بعض الاختصاصات قد تخضع لمتطلبات خاصة تفرضها طبيعة العمل.
واستند هذا الطرح إلى أن تخصيص بعض المعاهد للذكور كان معمولًا به في عهد النظام السابق، وأن استمرار هذه الشروط قد يرتبط بخصوصية تلك المؤسسات، وليس بالضرورة بتوجه عام نحو الفصل بين الجنسين في الجامعات السورية.
لكن المعترضين على هذه الشروط شددوا على ضرورة إعلان المعايير بوضوح وتقديم تفسيرات محددة للقيود المفروضة، بدلًا من استبعاد المتقدمين أو المتقدمات على أساس الجنس من دون توضيح الأسباب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باختصاصات مدنية.
فرص النساء في المؤسسات العامة تحت المجهر
لم يقتصر الجدل على الاختصاصات المدنية، بل امتد إلى المسارات الأمنية والعسكرية التي لم تفتح بعض برامجها أمام النساء، ما أثار تساؤلات إضافية بشأن الفرص المتاحة لهن في المؤسسات العامة.
وجاء ذلك بعد أسابيع من إعلان وزارة الداخلية السورية تخريج نحو 150 شرطية من معهد الشرطة النسائية في ريف دمشق.
ورأى متابعون أن هذه التطورات تستدعي توضيحًا أوسع لطبيعة الفرص المهنية المتاحة للنساء، وحدود مشاركتهن في مختلف القطاعات، في ظل غياب تفسير رسمي شامل يوضح فلسفة توزيع الاختصاصات وشروط الالتحاق بها.
ويُذكر أن التعليم في سورية شهد على مدى عقود توسعًا في مشاركة النساء، اللواتي دخلن مجالات متعددة، من بينها الطب والهندسة والقضاء، بعد أن كانت بعض هذه المجالات محدودة المشاركة النسائية فيها.
ومع ترسخ حضور النساء في الجامعات والمهن المختلفة، باتت القيود المفروضة على بعض الاختصاصات موضع تساؤل حول مدى انسجامها مع مبدأ تكافؤ الفرص، وحق الطالبات في اختيار مساراتهن التعليمية وفقًا لرغباتهن ومؤهلاتهن.
غياب التوضيحات الرسمية يبقي الجدل مفتوحًا
في ظل عدم صدور توضيحات تفصيلية تحسم أسباب تخصيص بعض الاختصاصات للذكور أو الإناث، لا تزال مفاضلة القبول الجامعي للعام الدراسي 2026-2027 محور نقاش يتجاوز شروط التسجيل إلى مستقبل التعليم العالي في سورية.


فالقضية لا تتعلق فقط بتحديد الفئات التي يحق لها الالتحاق بكلية أو معهد، بل أيضًا بالمعايير التي ينبغي أن تحكم القبول، ومدى اعتمادها على الكفاءة والاستعداد الأكاديمي ومتطلبات الاختصاص، بدلًا من جعل جنس الطالب عاملًا حاسمًا في رسم مستقبله الدراسي والمهني.
وبين تبريرات مرتبطة بطبيعة بعض المعاهد ومتطلبات العمل، ومطالبات بتوضيح الأسس المعتمدة وضمان تكافؤ الفرص، يبقى السؤال الأبرز: ما المعايير التي تحدد حق الطلاب والطالبات في الوصول إلى التخصصات الجامعية المختلفة؟
سبوتنيك عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى