الصيام لـ 7 أيام.. علماء يكشفون عن تأثيرات غير متوقعة

لا تقتصر استجابة الجسم للصيام المطول على استهلاك الدهون المخزنة للحصول على الطاقة، بل تشمل تغيرات بيولوجية وجزيئية واسعة تؤثر في وظائف متعددة. وأظهرت دراسة حديثة أن عدداً من هذه التغيرات لا يصبح واضحاً إلا بعد مرور نحو ثلاثة أيام من الامتناع الكامل عن تناول السعرات الحرارية.
وتقدم النتائج فهماً أعمق لكيفية تكيف الجسم مع غياب الطعام لفترة طويلة، كما تفتح الباب أمام أبحاث قد تساعد مستقبلاً على تطوير علاجات تحاكي بعض التأثيرات البيولوجية للصيام، دون الحاجة إلى الامتناع عن الطعام لعدة أيام
ونشر موقع «ScienceDaily» تقريراً عن الدراسة التي أُجريت بالتعاون بين معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة في جامعة كوين ماري بلندن والمدرسة النرويجية لعلوم الرياضة، ونُشرت نتائجها في دورية «Nature Metabolism».
ماذا يحدث للجسم عند الامتناع عن الطعام؟
يمتلك جسم الإنسان قدرة على التكيف مع فترات نقص الغذاء، وهي آلية تطورت عبر الزمن لمساعدته على البقاء في ظروف لم يكن فيها الحصول على الطعام متاحاً باستمرار.
ويُمارس الصيام اليوم لأسباب دينية وثقافية وصحية، كما يلجأ إليه بعض الأشخاص بهدف إنقاص الوزن.
وله تاريخ طويل في المجال الطبي، إذ استُخدمت أشكال مختلفة منه للمساعدة في التعامل مع بعض الحالات الصحية.
وخلال الصيام، يبدأ الجسم بالاعتماد بصورة أكبر على مصادر الطاقة المخزنة، ومنها الدهون، مع حدوث تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي.
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الاستجابة لا تتوقف عند هذه المرحلة، بل تشمل تغيرات أوسع في البروتينات والعمليات الجزيئية المرتبطة بوظائف الجسم المختلفة.
تحليل آلاف البروتينات يكشف تفاصيل جديدة
استفاد الباحثون من تقنيات متقدمة لتحليل البروتينات، التي تؤدي وظائف أساسية تشمل بناء الأنسجة وتنظيم التفاعلات الكيميائية ونقل الإشارات بين الخلايا.
ومن خلال قياس آلاف البروتينات في الدم، تمكن الفريق من تتبع التغيرات التي تحدث أثناء الصيام، وتكوين صورة أكثر شمولاً عن استجابة الأنظمة البيولوجية المختلفة لنقص الغذاء.
وقالت كلوديا لانغنبرغ، مديرة معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة في جامعة كوين ماري بلندن، إن الدراسة أتاحت فرصة لفهم ما يحدث على المستوى الجزيئي في أنحاء الجسم خلال الصيام.
وأظهرت النتائج أن بعض التغيرات المرتبطة باستخدام الدهون كمصدر للطاقة تبدأ في وقت مبكر، بينما لا تظهر مجموعة من التغيرات البيولوجية الأخرى بوضوح إلا بعد نحو 72 ساعة من الامتناع الكامل عن السعرات الحرارية.
وتشير هذه النتيجة إلى أن الصيام المطول قد يرتبط باستجابات تتجاوز التغيرات المعتادة في الوزن والتمثيل الغذائي، إلا أن رصد هذه التغيرات لا يعني بالضرورة أنها تحقق فوائد صحية مؤكدة أو أنها تنطبق بالدرجة نفسها على جميع الأشخاص.
هل تتجاوز فوائد الصيام إنقاص الوزن؟
يرى الباحثون أن فهم التغيرات الجزيئية التي تحدث أثناء الصيام قد يساعد على تفسير بعض الآثار الصحية التي ارتبطت به في دراسات سابقة.
وأوضحت لانغنبرغ أن الصيام، عندما يُمارس بطريقة آمنة وتحت الظروف المناسبة، قد يكون وسيلة لإنقاص الوزن، مشيرة إلى أن الأنظمة الغذائية التي تتضمن الصيام، مثل الصيام المتقطع، تحظى باهتمام متزايد بسبب آثارها الصحية المحتملة.
لكن من المهم التمييز بين نتائج الصيام المتقطع والامتناع الكامل عن السعرات الحرارية لمدة ثلاثة أيام؛ فهما ليسا نمطاً واحداً، ولا يمكن افتراض أن نتائج أحدهما تنطبق تلقائياً على الآخر.
وتساعد الدراسة الجديدة على تحديد التوقيت الذي تبدأ فيه بعض الاستجابات الجزيئية الأوسع بالظهور، ما يمنح الباحثين فرصة لفهم الفروق بين التغيرات الأيضية المبكرة والتأثيرات الأخرى المرتبطة بالصيام المديد.
هل يمكن الاستفادة من تأثيرات الصيام دون الامتناع عن الطعام؟
لا يقتصر الهدف من الأبحاث على معرفة ما يحدث للجسم أثناء الصيام، بل يمتد إلى تحديد الآليات المسؤولة عن هذه التغيرات، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان الاستفادة منها علاجياً بوسائل أخرى.
وقال مايك بيتزنر، رئيس قسم بيانات الصحة في معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة والرئيس المشارك لمجموعة الطب الحاسوبي في معهد برلين للصحة التابع لمستشفى شاريتيه، إن النتائج توفر أساساً علمياً لدراسة أسباب الاستفادة من الصيام في بعض الحالات الصحية.
وأشار إلى أن الصيام المطول قد لا يكون مناسباً لكثير من المرضى، سواء بسبب حالتهم الصحية أو صعوبة الالتزام بالامتناع عن الطعام لفترة طويلة.
ومن هنا، يأمل الباحثون أن يساعد تحديد المسارات الجزيئية المرتبطة بالتأثيرات المحتملة للصيام على تطوير علاجات تستهدف هذه المسارات مباشرة، بما قد يتيح الاستفادة من بعض خصائصه دون تعريض المرضى لمخاطر الصيام المديد.
ماذا تعني النتائج للأشخاص الذين يفكرون في الصيام؟
تقدم الدراسة خريطة أكثر تفصيلاً للتغيرات التي يمر بها الجسم عند الامتناع عن الطعام، وتوضح أن بعض الاستجابات البيولوجية تحتاج إلى وقت أطول حتى تصبح قابلة للرصد.
ومع ذلك، لا تثبت النتائج أن الصيام لمدة ثلاثة أيام أكثر فائدة صحياً من الصيام لفترات أقصر، كما لا تؤكد أن إطالة مدة الصيام تؤدي بالضرورة إلى نتائج أفضل.
فالامتناع المطول عن الطعام قد يسبب مخاطر صحية، ولا يناسب الجميع، خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة أو الذين يتناولون أدوية قد تتأثر بتغير مواعيد الطعام أو مستوياته في الجسم. لذلك، لا ينبغي اعتبار نتائج الدراسة توصية بالصيام ثلاثة أيام، بل خطوة علمية لفهم آلياته بصورة أدق.
وفي المحصلة، تكمن أهمية البحث في كشف التغيرات الجزيئية التي تحدث أثناء الصيام وتحديد توقيت ظهورها، وهو ما قد يمهد لتطوير أساليب علاجية جديدة في المستقبل، شريطة أن تؤكد الدراسات اللاحقة فعاليتها وسلامتها لدى البشر.
العربية



