اقتصاد

إصلاح المصارف السورية.. ما الخطوات المطلوبة لاستعادة الثقة الدولية؟

تواجه سورية تحدياً أساسياً في مسار إعادة بناء علاقاتها المالية الدولية، يتمثل في استعادة ثقة المصارف الخارجية وتعزيز قدرة القطاع المصرفي المحلي على التعامل وفق المعايير الدولية. ويتطلب ذلك، إلى جانب تحديث التشريعات، تطوير أنظمة الرقابة والحوكمة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإثبات فاعلية هذه الإجراءات على أرض الواقع.
وبحسب تصريحات حاكم مصرف سورية المركزي صفوت رسلان، تتجه السلطات نحو تحديث الإطار التشريعي المصرفي وتعزيز الامتثال والحوكمة، في مسعى لإعادة وصل القطاع المالي السوري بالنظام المصرفي الدولي.
ويرى الدكتور محمود عبد الكريم، في حديث لصحيفة «الوطن»، أن استعادة الثقة تتطلب نظاماً مصرفياً قادراً على التحقق من هويات العملاء ومصادر أموالهم، وتتبع المعاملات المالية، ورصد العمليات المشبوهة، واتخاذ إجراءات فعلية بحق المخالفين، إلى جانب توفير بيانات مالية موثوقة.
التحدي الأساسي: تطبيق القوانين لا إصدارها
يشير عبد الكريم إلى أن سورية مدرجة، بحسب حديثه، منذ شباط 2010 ضمن الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة لدى مجموعة العمل المالي «فاتف». ويؤكد أن معالجة أوجه القصور الفنية لا تكفي وحدها لإنهاء هذه الوضعية، إذ يتطلب الأمر التحقق من التطبيق العملي للإجراءات وفاعليتها.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة وفد مجموعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى دمشق في 23 تموز 2026، للتحضير لعملية التقييم المتبادل المقررة عام 2027، بحسب المعلومات الواردة في التقرير.
كما أشار عبد الكريم إلى الاستراتيجية الثلاثية التي أعلنها حاكم المصرف المركزي في تموز، بمشاركة خمس وزارات وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لافتاً إلى الحاجة إلى مؤشرات أداء منشورة تسمح بقياس مدى التقدم المحقق.
ويشدد على أن وجود القوانين والأنظمة لا يكفي ما لم ينعكس على عمل الجهات المختصة، من خلال بلاغات عن العمليات المشبوهة، وتحقيقات مالية، وتجميد الأموال عند توافر الأسس القانونية، وفرض العقوبات اللازمة.
مكافحة غسل الأموال وتعزيز الحوكمة
يتطلب تطوير منظومة الامتثال اعتماد إجراءات دقيقة للتحقق من هوية العملاء ومصادر أموالهم، وتحديد المستفيد الحقيقي من الشركات، إلى جانب تحديث السجلات ذات الصلة وتعزيز قدرة الجهات المختصة على تبادل المعلومات.
كما تشمل الإجراءات المطلوبة الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وتطوير وحدة التحريات المالية، وفحص قوائم العقوبات، وإخضاع الأشخاص المعرضين سياسياً لإجراءات تدقيق تتناسب مع مستوى المخاطر، مع ضمان الاستقلال الفعلي للجهات المسؤولة عن مكافحة غسل الأموال.
أما على مستوى الحوكمة، فيؤكد عبد الكريم أهمية وجود مجالس إدارة فاعلة، ولجان مستقلة للتدقيق وإدارة المخاطر، وضوابط واضحة تحد من تعارض المصالح في عمليات الإقراض، ولا سيما القروض المقدمة للمساهمين والمديرين.
وبحسب الأرقام التي أوردها، يضم القطاع المصرفي السوري ستة مصارف عامة و15 مصرفاً خاصاً، فيما بلغت الأصول المصرفية نحو 12 مليار دولار عام 2024، واستحوذت المصارف العامة على 69% منها، في حين لم تتجاوز القروض 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتبرز هذه المؤشرات أهمية تطوير قدرة المصارف على تمويل الأنشطة الاقتصادية، بالتوازي مع الحفاظ على سلامة الأصول وإدارة المخاطر.
بيانات مالية موثوقة وتشريعات محدثة
لا تقتصر متطلبات الإصلاح على مكافحة غسل الأموال، بل تشمل أيضاً تحسين جودة البيانات المالية وإخضاعها للتدقيق وفق المعايير الدولية، وتعزيز قواعد كفاية رأس المال، والتدرج في تطبيق معايير بازل بما يتناسب مع واقع القطاع المصرفي السوري.
كما يتطلب الأمر تحديث التشريعات الناظمة لعمل المصرف المركزي والمصارف، وتعزيز استقلال الجهات الرقابية، واعتماد الرقابة القائمة على المخاطر، ووضع آليات واضحة للتعامل مع المصارف المتعثرة وحماية الودائع.
ويضاف إلى ذلك تطوير أنظمة الأمن السيبراني، نظراً إلى أهمية حماية البيانات والمعاملات المالية في تعزيز ثقة العملاء والمصارف المراسلة.
ويرى عبد الكريم أن تقييم إعادة هيكلة المصرف المركزي ينبغي أن يستند إلى نتائج ملموسة، مثل وضوح توزيع المسؤوليات، والفصل بين الوظائف الرقابية والتنفيذية، وتحسين سرعة اتخاذ القرارات.
كيف ينعكس الإصلاح المصرفي على الاستثمار؟
ترتبط ثقة المستثمرين بقدرتهم على تحويل الأموال إلى سورية ومنها، والحصول على التمويل، وتسديد مستحقات الموردين، وتحويل الأرباح وفق إجراءات واضحة ويمكن التنبؤ بها.
وكلما زادت صعوبة تنفيذ هذه العمليات أو ارتفعت تكلفتها ومخاطرها، ازدادت احتمالات تراجع المستثمرين عن الدخول إلى السوق أو تأجيل قراراتهم.
ويؤكد عبد الكريم أن تعزيز الامتثال المصرفي يمكن أن يقلل المخاطر المرتبطة بالتعاملات المالية، لكنه لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات، ما لم يترافق مع إصلاحات أوسع تشمل تحسين خدمات الكهرباء، ودعم الإنتاج، وتطوير القضاء، وتوفير بيئة أعمال أكثر استقراراً.
وفي المحصلة، يتطلب استعادة الثقة الدولية بالقطاع المصرفي السوري الانتقال من تحديث التشريعات إلى إثبات فاعليتها عملياً. فاستئناف العلاقات المصرفية المراسلة وتوسيع التدفقات المالية يحتاجان إلى منظومة رقابية موثوقة وبيانات شفافة ومؤسسات قادرة على تطبيق القواعد باستمرار، إلى جانب تحسن الظروف الاقتصادية والاستثمارية.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى