الاخبار

ماذا بقي لأمريكا في العراق بعد الانسحاب العسكري؟

أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري في العراق بعد نحو 12 عاماً من المهمة التي قادتها لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، لكن مغادرة القوات لا تعني نهاية العلاقة بين واشنطن وبغداد.
فإلى جانب التعاون الأمني والاستخباري، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أدوات تأثير مالية واقتصادية ودبلوماسية، كما تحتفظ شركاتها بمصالح مهمة، ولا سيما في قطاع الطاقة.
وفي 30 أيلول/سبتمبر 2026، اكتمل انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة أربيل، لتنتهي بذلك المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد داعش في العراق. ومع ذلك، أكدت واشنطن استمرار التدريب والدعم الاستخباري للشركاء العراقيين، بينما تواصل قوة المهام المشتركة نشاطها الإقليمي من الأردن.
ويمهد الانسحاب لمرحلة جديدة تقوم على شراكة أمنية ثنائية بين البلدين، رغم أن تفاصيل الاتفاق الدفاعي الجديد كانت لا تزال قيد التفاوض في أيلول/سبتمبر. وفي المقابل، يثير غياب القوات الأمريكية مخاوف من احتمال استفادة الفصائل المدعومة من إيران أو خلايا داعش من أي فراغ أمني محتمل.
النفط والدولار.. ورقة النفوذ المالي
تحتفظ واشنطن بأداة تأثير مالية مهمة من خلال الترتيبات المرتبطة بعائدات النفط العراقي، التي لا تزال مودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وتكتسب هذه الآلية أهميتها من اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على النفط، الذي يوفر نحو 90 بالمئة من ميزانية الدولة، ومن حاجة بغداد المستمرة إلى الدولار لتمويل التجارة والاستيراد.
وبرز البعد السياسي لهذه العلاقة عام 2020، عندما طالبت الحكومة العراقية آنذاك بخروج القوات الأمريكية. ووفق ما أوردته «رويترز»، ترددت تهديدات أمريكية بتقييد وصول بغداد إلى أموالها الموجودة لدى الاحتياطي الفيدرالي، في واقعة عكست حجم النفوذ الذي تمنحه الترتيبات المالية لواشنطن.
لكن هذا النظام لا يمثل أداة نفوذ أمريكية فقط، إذ يوفر للعراق أيضاً مجموعة من المزايا، بحسب مسؤولين عراقيين تحدثوا إلى «رويترز». فهو يسهم في تعزيز الاستقرار المالي، ويمنح عائدات النفط درجة من الحماية والثقة الدولية، كما يسهل الوصول إلى الدولار ويحمي الإيرادات من مطالبات الدائنين والدعاوى القضائية والصدمات المالية.
كما يساعد النظام في دعم سعر الصرف وتعزيز الثقة بالاقتصاد العراقي، في حين تتيح القيود المفروضة على حركة الدولار الحد من محاولات جهات، بينها جماعات متحالفة مع إيران، الالتفاف على القيود المالية.
وفي عام 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مصارف عراقية وأفراد اتهمتهم بغسل الأموال لمصلحة طهران.
نهاية مزادات الدولار
في المقابل، أدى تشديد القيود على تدفق الدولار إلى ظهور سوق موازية للعملة وخلق فارق بين سعر الصرف الرسمي والسعر المتداول في السوق غير الرسمية، وهو ما اعتبرته «رويترز» علاوة للمخاطر المرتبطة بالتعامل خارج القنوات الرسمية.
وكان البنك المركزي العراقي يبيع الدولار من خلال مزادات يومية تشتري فيها المصارف وشركات الصرافة العملة الأمريكية مقابل الدينار، قبل أن تنهي بغداد هذا النظام رسمياً مطلع عام 2025، بعد ضغوط أمريكية هدفت إلى الحد من تهريب الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات، ولا سيما إيران.
ومع توقف المزادات، بقيت عائدات النفط العراقية في نيويورك، لتستمر آلية تجمع بين توفير مزايا مالية لبغداد والإبقاء على قدر من النفوذ الأمريكي في المشهد الاقتصادي العراقي.
تعاون أمني دون وجود عسكري واسع
رغم انتهاء مهمة التحالف، أكدت واشنطن استمرار تقديم التدريب المحدد والدعم الاستخباري للشركاء العراقيين.
وكان الانتقال إلى هذا الشكل من التعاون مقرراً منذ اتفاق عام 2024، الذي نص على إنهاء مهمة التحالف في العراق والانتقال إلى علاقة أمنية ثنائية.
وبحسب مجلس العموم البريطاني، كان الاتفاق الدفاعي الجديد لا يزال قيد التفاوض في أيلول/سبتمبر، فيما تتوقع بغداد استمرار التعاون في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية وبرامج التسليح.
وعلى المستوى الإقليمي، أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار عمل قوة المهام المشتركة التابعة لعملية «العزم الصلب» من الأردن، بينما تواصل القوات الأمريكية مكافحة داعش في سوريا بالتعاون مع شركائها في المنطقة.
كما تواصل الولايات المتحدة مشاركتها ضمن مهمة حلف شمال الأطلسي في العراق، التي تعمل بصورة منفصلة عن التحالف.
ونُقل جميع أفراد المهمة من بغداد إلى نابولي في آذار/مارس 2026، لمواصلة العمل من هناك في ظل الظروف الأمنية الإقليمية.
هل يتوقف التعاون العسكري والتسليحي؟
تشير وثائق أمريكية إلى أن التعاون العسكري بين بغداد وواشنطن سيستمر بأشكال مختلفة بعيداً عن مهمة التحالف.
ففي إخطار أرسل إلى الكونغرس في 14 كانون الثاني/يناير 2026 ونشر في السجل الفيدرالي خلال آذار/مارس، عرضت وزارة الدفاع الأمريكية برنامجاً مقترحاً لتطوير اتصالات الجيش العراقي عبر الأقمار الصناعية، بقيمة إجمالية تقديرية تبلغ 110 ملايين دولار، على أن تمول بغداد المشروع من مواردها الوطنية.
ويشمل البرنامج محطات اتصال ومعدات وقطع غيار وبرامج تدريب، إضافة إلى دعم هندسي وفني ولوجستي، بهدف تطوير شبكة اتصالات وزارة الدفاع العراقية وتعزيز قدرات القيادة والسيطرة وحماية الحدود ومنشآت الطاقة والسكان.
ومن المقرر، وفق الوثيقة، إيفاد ممثلين اثنين عن الحكومة الأمريكية وخمسة متعاقدين إلى العراق لمدة خمس سنوات، لتنفيذ مهام التدريب والتقييم الفني ومتابعة البرنامج.
الحضور الدبلوماسي مستمر
ولا يعني الانسحاب العسكري نهاية الحضور الدبلوماسي الأمريكي في العراق.
فبحسب إرشادات وزارة الخارجية الأمريكية المحدثة في 10 أيلول/سبتمبر 2026، كانت السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية العامة في أربيل مدرجتين ضمن البعثات الأمريكية، مع استمرار نشر بيانات الاتصال وأرقام الطوارئ.
لكن طبيعة هذا الحضور تبقى مقيدة بالوضع الأمني، إذ تفرض واشنطن إجراءات حماية مشددة على موظفيها، وتحذر من محدودية قدرتها على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين الأمريكيين في ظل المخاطر القائمة.
كما يبقى العراق ضمن أعلى مستويات التحذير من السفر، مع فرض تصاريح خاصة على سفر الموظفين الحكوميين الأمريكيين، وقيود على مرافقة أفراد أسرهم.
الطاقة.. مصلحة أمريكية مستمرة
وتبقى المصالح الاقتصادية الأمريكية حاضرة بقوة، خصوصاً في قطاع الطاقة.
وفي تموز/يوليو، أعلنت شركة «كونوكو فيليبس» اتفاقاً مع «بي بي» للاستحواذ على حصة تبلغ 42 بالمئة في شركة تحمل عقد إعادة تطوير أربعة حقول منتجة في منطقة كركوك.
وقالت الشركة إنها تتوقع إتمام الصفقة بنهاية عام 2026، بعد الحصول على الموافقات التنظيمية واستكمال شروط الإغلاق.
وتراهن «كونوكو فيليبس» على الاستفادة من قاعدة إنتاج قائمة وإعادة تطوير موارد طويلة الأجل، مع ارتباط العائد بحصتها من الإنتاج الإضافي والتكاليف، إلى جانب أعمال تأهيل الحقول وتطويرها وتحسين إنتاجها وإمكانات الاستكشاف.
ولا تقتصر التحركات الأمريكية على الحقول النفطية، إذ أوردت «وول ستريت جورنال» أن «شيفرون» تعتزم توقيع تفاهمات أولية للاستثمار في حقلين عراقيين، إلى جانب الانضمام إلى مجموعة مستثمرين تدرس إنشاء خط أنابيب يربط مناطق إنتاج النفط بالساحل السوري.
ووضعت الصحيفة المشروع في إطار البحث عن بدائل لمضيق هرمز، مشيرة إلى أن التفاهمات لا تزال في مرحلة أولية.
ويرى المجلس الأطلسي أن استمرار الشركات الأمريكية في العراق يمنح واشنطن مصلحة إضافية في استقرار البلاد، مع احتمال ازدياد أهمية استثمارات الطاقة والبنية التحتية كأدوات للتأثير الاقتصادي بعد الانسحاب العسكري.
ماذا يترك الانسحاب خلفه أمنياً؟
يبقى الجانب الأمني أحد أبرز الملفات المفتوحة بعد مغادرة القوات الأمريكية.
ففي إقليم كردستان، نقلت وكالة «أسوشيتد برس» مخاوف مسؤولين أكراد بشأن سحب منظومات الدفاع الجوي الأمريكية، فيما حذرت وزارة البيشمركة من مغادرة القوات دون توفير منظومة دفاعية بديلة للإقليم.
وفي بغداد، لا يزال ملف سلاح الفصائل دون حسم.
ووفق مجلس العموم البريطاني، أُرجئ الموعد المحدد لنزع السلاح إلى 30 حزيران/يونيو 2027، بعدما كان من المفترض أن يتزامن مع مغادرة القوات الأمريكية في أيلول/سبتمبر.
ولا يقتصر التحدي على مسألة دمج المقاتلين في مؤسسات الدولة، إذ يرى الباحث ريناد منصور، في تحليل نشره مركز تشاتام هاوس، أن الاختبار الحقيقي يتمثل في انتقال الولاء والقرار إلى مؤسسات الدولة، وليس مجرد تغيير الوضع التنظيمي للفصائل.
كما يمثل تسليم الطائرات المسيّرة والصواريخ اختباراً لمدى استعداد هذه الفصائل للتخلي عن قدراتها العسكرية المستقلة.
هل يعيد الانسحاب رسم موازين القوى؟
يحذر محللون من أن غياب القوات الغربية قد يمنح الجماعات المرتبطة بإيران مساحة أكبر للحركة والتأثير في القرار العراقي.
وقال المحلل السياسي أحمد يونس، المقيم في بغداد، لـ«رويترز»، إن غياب الوجود العسكري الغربي قد يمنح تلك الجماعات شعوراً أكبر بالقوة، ويدفعها إلى توسيع حضورها في مؤسسات الدولة وصناعة القرار.
أما بالنسبة إلى شريحة من العراقيين، فإن الحكم النهائي على الانسحاب لن يرتبط بخروج القوات بحد ذاته، بل بما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية خلال السنوات المقبلة.
وتعيد هذه المخاوف إلى الأذهان تجربة الانسحاب الأمريكي السابق، عندما انهارت وحدات من القوات العراقية أمام تقدم داعش نحو الموصل عام 2014، وفر جنودها بعد خلع زيهم العسكري مع سيطرة التنظيم على المدينة.
ويرى الجنرال المتقاعد محمد الجبوري، الذي قاد لواءً خلال الحرب على داعش، أن السؤال الأهم في المرحلة الحالية هو مدى استعداد المؤسسات الأمنية العراقية بخطة بديلة قابلة للتنفيذ بعد انتهاء مهمة التحالف.
وبذلك، لا يبدو أن الانسحاب الأمريكي يمثل نهاية النفوذ الأمريكي في العراق، بقدر ما يشير إلى انتقاله من الوجود العسكري المباشر إلى أدوات مالية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية أكثر تنوعاً.
عربي بوست

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى