البنزين العراقي عبر سورية.. هل تتحول الصهاريج إلى ممر للطاقة؟

بدأت الشركة السورية للبترول نقل شحنات من البنزين المستورد لمصلحة العراق عبر مصب بانياس، بموجب اتفاق يمتد لثلاثة أشهر مع إمكانية التجديد، في وقت تشهد فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز اضطرابات متزايدة.
وانطلقت العملية بنحو 57 صهريجًا، مع خطة لرفع القدرة التشغيلية إلى قرابة 200 صهريج يوميًا عبر معبر التنف. وقد تفتح هذه الخطوة المجال أمام سورية لتأدية دور في عمليات نقل وتخزين وخدمات الطاقة بين العراق والبحر المتوسط.
وأوضح الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور خليل حمدان لـ”الوطن” أن أهمية العملية بالنسبة إلى الاقتصاد السوري لا ترتبط بقيمة البنزين نفسه، باعتباره ليس ملكًا لسورية، وإنما بالعائدات التي يمكن تحقيقها من خدمات الاستقبال والتفريغ والتخزين والتحميل والنقل والترانزيت.
وأضاف أن النشاط قد ينعكس أيضًا على قطاعات مرتبطة به، مثل النقل والصيانة والتأمين والخدمات اللوجستية، مشيرًا إلى أن المعيار الأهم لا يتمثل فقط في العائد الذي تحصل عليه سورية عن كل صهريج، وإنما في حجم القيمة المضافة التي يمكن أن تبقى داخل الاقتصاد السوري مقابل كل طن يعبر أراضي البلاد.
البنية التحتية أمام اختبار فعلي
وتبدو البنية التحتية الحالية قادرة على التعامل مع المرحلة الأولى من العملية، خصوصًا مع تجهيز ثمانية مرابط للتحميل بالتزامن في بانياس.
لكن تحويل هذا النشاط إلى ممر إقليمي مستدام يتطلب، بحسب حمدان، تطوير قدرات التخزين ومرافق المناولة والطرق والمعابر، إلى جانب اعتماد أنظمة أكثر كفاءة لتتبع الشحنات.
ورغم أن الصهاريج توفر حلًا سريعًا ومرنًا في المرحلة الحالية، فإن الاعتماد المكثف عليها يرفع تكاليف النقل والصيانة، فضلًا عن زيادة احتمالات الازدحام والحوادث. ولذلك، فإن تطوير البنية التحتية سيكون عاملًا أساسيًا إذا أرادت سوريا الاستفادة من هذا النشاط على المدى الطويل.
من الصهريج إلى خط كركوك – بانياس
ويرى حمدان أن الأهمية الاستراتيجية الأوسع قد تكمن في إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، باعتبار أن الصهاريج يمكن أن تؤدي دورًا سريعًا في اختبار المسار وتشغيله، لكنها لا تمثل الحل الأنسب لنقل كميات كبيرة بصورة مستمرة.
ومن هنا، فإن الانتقال مستقبلًا إلى النقل عبر الأنابيب قد يحول العملية من نشاط ترانزيت مؤقت إلى ممر استراتيجي لنقل الطاقة بين العراق والبحر المتوسط.
اضطراب هرمز.. فرصة أم ظرف مؤقت؟
ويتمثل التحدي الإداري، وفق حمدان، في عدم التعامل مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز باعتباره فرصة مؤقتة تنتهي بانتهاء الأزمة.
ويحتاج المسار السوري، بحسب رأيه، إلى استثمار الفترة الحالية لإثبات قدرته على توفير طريق سريع وآمن وتنافسي، من خلال نافذة تشغيل موحدة، وتعرفة واضحة، وإجراءات جمركية سريعة، إلى جانب اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس أوقات التحميل والعبور والتكاليف ومستويات السلامة.
وعلى المدى القريب، تتركز الأولوية على إنجاح الاتفاق الحالي ومعرفة عائداته وتكاليفه الفعلية، بينما يتطلب المدى المتوسط تطوير مصب بانياس والطرق والمعابر والخدمات اللوجستية.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتتمثل الفكرة في الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على “اقتصاد الصهريج” إلى بناء اقتصاد ممر متكامل يقوم على الأنابيب والمرافئ والتخزين والخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة.
ويخلص حمدان إلى أن العملية الحالية لن تحدث تحولًا كبيرًا في الاقتصاد السوري خلال ثلاثة أشهر، لكنها قد تشكل اختبارًا عمليًا لقدرة سوريا على استعادة موقعها ضمن طرق الطاقة الإقليمية.
فالموقع الجغرافي يوفر إمكانية مهمة، لكن طريقة إدارة هذا المسار هي التي ستحدد ما إذا كان سيبقى حلًا مرتبطًا بظرف استثنائي، أم يتحول لاحقًا إلى ممر دائم للطاقة والتجارة والاستثمار.
الوطن



